محاضرة «عالمية الشريعة المحمدية» للشيخ محمد العبيدان.. قراءة نفسية نقدية

توطئة:
يحتفل العالم في هذا الشهر باليوم العالمي للصحة النفسية (10 /10/ 2021) والذي يضع كل عام شعارًا مختلفًا ترتكز عليه موضوعاته والشعار الذي وضعته منظمة الصحة النفسية العالمية لهذا العام "الرعاية الصحية النفسية للجميع"، وتأتي هذه القراءة النقدية بنكهة نفسية لتؤكد على أن استخدام النظرية النفسية لا يتأطر في العيادة والعلاج النفسي فقط، كما أن الخدمات النفسية تشمل الأصحاء لتجويد حياتهم النفسية.
قبل أن تهب أعافير نقدي، علي أن أقف احترامًا أمام شجاعة الفارس الشيخ العبيدان، وكلمة شجاع أقل من أن تصف الحقيقة فقد بلغت جرأته درجة أدهشتني فهو يختار الناقدين، ويحفزهم لنقد محاضراته ومنذ سنوات وهو على هذه الطريقة، ويختار أكثرهم هيبة وأشدهم نقدًا، ولذلك لست أدعي الشجاعة في تقديم هذا النقد الجلل، وقد يُغفر لي جرأتي لو قلت بأمانة إنه من أوسع الخطباء صدرًا وأرحبهم، فمن غير المعتاد في كاريزما الخطاب الديني هذا النموذج، فلا يزال غالبية الخطاب الديني بشكل عام كلاسيكيًا ويقدم مستوى بسيطًا في فهم الأحداث وسرد الوعظيات، لكن هناك خطباء يمكن أن يمثلوا نقطة للأعلى في مسار النمو والتطور المنبري، وأعتقد أن نسبة الخطباء المتفتحين في منطقتنا أكثر من غيرهم.
ومحاضرة "عالمية الشريعة المحمدية" تقدم محطة انطلاق في رحلة تطور الخطاب الديني، ورحلة موضوعها ينسجم مع التحول السياسي والاجتماعي العام، كل ذلك وغيره من العوامل جعلني أحاول أن أقدم قراءة نفسية للمحاضرة بشيء من الفخر والشجاعة مع أني أتفق كثيرًا مع الشيخ في المنطلقات مع اختلافي اليسير معه في بعض الشروط والتفاصيل إلا أن جوهر الخط العام للمحاضرة يضيف هداية وانفتاحًا وتنورًا وإيجابية. وبقدر ما في معزوفة المحاضرة - الشفاهية من لذة - من تغنى بالهوية الدينية إلا أنها لا تخلو من نشاز قد أبرره أنا بوجود قلق على الهوية، يظهر في صورة مناقضة (تورم الهوية، وانغلاقها).
وشجاعة أخرى تكمن في الموضوع ففي الوقت الذي يتسم التفكير الديني الجمعي بالانغلاق والتعصب وتكرس العنف والتطرف والتخلف يعمل الشيخ على إنتاج رؤية دينية منفتحة، وإن كانت مرحلة الانتقال من الانغلاق إلى إنجاز الهوية تمر بمخاضات ليست بالبسيطة. خصوصًا ونحن أمام حالة من إلغاء الآخر والعنف تجاهه والعنف تجاه الذات، وتعطيل العقل والفكر الحر؛ في هذا السياق تأتي محاضرة الشيخ محمد العبيدان حول الخطاب الديني العالمي للناس كافة.
المنهج النفسي النقدي المتبع:
النظرية النفسية تفسر السلوك سواء كان السلوك، تصرفات أو كلمات أو مشاعر أو أفكار والخطابة كمضمون وأسلوب وتقنيات شكل من أشكال السلوك، وأهم فوائد استخدام النظرية النفسية هو استخدام التفكير العلمي واقتراح التعديلات والتدخلات المناسبة.
في هذا التتبع النقدي استخدم الباحث الاتجاه النفسي أي النظرية النفسية وهي عبارة عن مجموعة من المفاهيم والتعريفات والافتراضات التي تعطي طريقة لتحديد العلاقات المختلفة بين المتغيرات بهدف تفسير حدث أو حالة أو ظاهرة، وتمكن من التنبؤ بمآلاتها مستقبلًا.
مسح تعريفي حول المحاضرة:
قدم سماحة الشيخ محمد العبيدان محاضرة "عالمية الشريعة المحمدية" والتي تمثل جزءًا من حركة فكرية وسياسية تنويرية ظهرت فى زمن الاصطفاف القومي والاثني والتناحر الديني والعقائدي؛ تهدف إلى توحيد شعوب الأرض والنهوض والتحرر، وتهدف لخلق شعور في الأمة الإنسانية الواحدة برابط جامع لهم، يتجاوز رابط العرق أو اللغة أو الثقافة أو التاريخ والسياسة، عبر الاعتقاد والقيم والأخلاق وليس فقط ضمن مفهوم الدولة الجغرافية.
في المحور الأول للمحاضرة عرض الشيخ مفهوم "عالمية الشريعة المحمدية" بعرض جميل ورائع، ثم وضع ثلاث شروط للعالمية ومعاييرها ما أعبر عنها لاحقًا "بثالوث الشروط" وهي:
التوحيد
البعد القيمي والأخلاقي
هيمنة العقل على الغريزة
وقد شكل المحور الأول 23% من الوقت المستغرق وهو أقل من الوقت المستغرق في النعي، فقد شكل الوقت المستغرق للنعي في المقدمة مجموعًا مع الخاتمة ما يشكل 28% من وقت المحاضرة ككل.
المحور الثاني -والذي أخذ الجزء الأكبر من المحاضرة- صُرف في نقض عالمية الشرائع السابقة للشريعة المحمدية، مع سوقه لرأي السيد الطبطبائي الذي يرى عالمية الشرائع السماوية ونقل عنه أن ذلك الرأي الشائع عند علماء الإمامية.
وقد شكل المحور الثاني أكبر أهمية من حيث الوقت المستغرق في المحاضر فقد استغرق الشيخ 33% من وقت المحاضرة في مناقشة هذا المحور في حين شكل المحور الثالث والأخير من المحاضرة أقل وقت مستغرق 17% والمخصص لعرض أدلة عالمية الشريعة المحمدية بشكل من التألق والجمال (أنصح بالاستماع للمحاضرة من اليوتيوب لأن العرض هنا لن يوفيها حقها).
المنهج ثنائي النماذج في صياغة الرؤية النقدية للخطاب:
استخدم الباحث المنهج الثنائي أي المنهج المشتق من نظريتين نفسيتين متداخلتين هما: المنهج العاطفي المعرفي السلوكي (التشوهات المعرفية) لآرون بيك، والمنهج النمائي التحليلي الحديث (نمو هوية الأنا) لإريك إريكسون (Erik H. Erikson)(1902 - 1994).
وتعتمد هذه المناحي المنهجية على مفاهيم نظرية في صياغاتها النقدية باختلاف الإطار النظري الخاص بكل منها، فنظرية بيك تبحث عن الأفكار التلقائية السلبية التي تكرس مشكلة التخلف والانغلاق والقلق، ونموذج إيركسون في التحليل النفسي النمائي الدينامي يلاحق تقدم الهوية والأزمات والأدوار أثناء رحلة نمو الأنا.
الأسلوب الخطابي:
النوتة الموسيقية الخطابية للشيخ كما أنها تغذي العقل هي أيضًا تطرب المتلقي وتغذي نشوته وتجعله يقبل الفكرة أكثر، وتشجع على التركيز مما يوضح الفكرة أكثر.
بيد أن وجود موسيقى بحد ذاته له خطورته، ولكنه من سمات الخطاب الشفاهي لأن الموسيقى تجعل الخطيب حافظًا للخطبة كالأبيات الشعرية والسجع وقديمًا دونت الكثير من العلوم شعرًا مثل ألفية بن مالك والنشر في القراءات العشر، وكغالبية الخطباء بل والكتاب في العالم الثالث يتوسلون بالموسيقى في سردياتهم وهذا له حلاوته وله خطورته فحين أرسل المأمون لقاضي مدينة قم "أيها القاضي بقمْ قد عزلناك فقمْ"، قال القاضي والله ما عزلني إلا السجع.
كمثال لذلك في الدقيقة 49 من المحاضرة يقول الشيخ "وأني أراهن دائمًا على المستمعين الأعزاء بأنهم أهل وعي وإدراك" الكلمات التي تحتها خط زائدة ليس لها ضرورة، إنما قيلت لتتمم النوتة الموسيقية وهي زيادة لا تضر ولا تنفع وليست ذات قصد، بيد أن الخطر فيما لو جرت النوتة الخطيب للهجاء أو الإسفاف، ولذلك من الأفضل التحرر من الموسيقى وثقافة المشافهة مع أن موسيقى الشيخ جيدة فهي تجره لقول كلمات رومانسية، مدح، وغزل، وأعذب الشعر أكذبه.
عالمية الشريعة المحمدية، والهوية المأزومة:
استوقفتني أزمة الهوية في معزوفة العالمية! فأمام التحول السياسي الثقافي الذي يشهده العالم، تصاب الهوية المأزومة بهذاء العظمة كحيلة استعلاء يتظاهر فيها الخطاب المتأزم بالتعالي ويخفي ألمًا عميقًا، فأسئلة الهوية تقض مضجع المشغول بالهوية وتصيبه بالضعف فيغطيه بالظهور بمظهر القوي، فيحاول تحسين وضع الهوية الأيديولوجي والثقافي عبر الاعتزاز بالهوية الدينية المتورمة وادعاء أنها عالمية، وسماحة الشيخ أعلى من شأن الهوية الدينية ووسع الخطاب الديني ليشمل العالم المعاصر والسابق والعوالم التي سوف تأتي مستقبلًا وعالم الإنس والجن. في صورة ترسم سوبر هوية شخصية كرتونية ملحمية أسطورية والدخول في مزايدات واللهو بالتكاثر الخيالي "حتى زرتم المقابر" في سعة من المثالية الحالمة تُعجز المزايد وتقضي على المزاد، في حين أن العلم الحديث المتقدم تنبه بأن بالأهداف الإجرائية البسيطة القابلة للتحقق، والثورة السلوكية التي صنعت التقدم في العالم بشكل عام وفي علم النفس خصوصًا وفي العلوم الأخرى - أقول تنبه العالم الحديث- بأن الأهداف الكبيرة والكلام الحالم المثالي غير مجد ولا يغني عن التجريب، والثورة السلوكية هي عملية الانتقال من الكلام العام الكبير والفشخرة الكذابة إلى الكلام الدقيق المحدد الواضح، فالأهداف الصغيرة هي التي تبني حضارة، فمثلًا حينما نسأل أيهما أهم الفرد أم الأمة؟ تكون إجابة الحالمين الأولية هي الأمة، ولكن العمليون الذين يقيسون أعمالهم ويقيمون أهدافهم يقولون الفرد، وأيضًا حينما نسأل أيهما أهم الفرد أم سلوك الفرد فالجواب هو سلوكه، أيهما أهم السلوك أم الاستجابة فنقول الاستجابة الدقيقة في الموقف البسيط هي التي تفضي إلى علم فالأكثر بساطة ودقة هو الأكثر تحققًا. فالمثل العملي الإجرائي البسيط {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ}، استخدم الأسلوب القرآني بكل ثقة أمثلة بسيطة لتوضيح معنى كبير. بينما المأزوم يستخدم مصطلحات كبيرة بحجم الكون، ليخفي ضعف الهوية وعدم ثقته بذاته. لو كانت نصوص العالمية بين يدي شخص يؤمن بالعالمية لكان الفخر والانسجام والتعايش ذا نكهة مغايرة وطعم مختلف، ولا يعني هذا أنه غير منتمٍ أو غير منجز للهوية بل العكس تمامًا.
استطاع الشيخ أن يظهر جماليات القيم الدينية، وربما كان سيستخرج في المستقبل أحافير ونصوصًا غير ملتفت لها تتمم حلقات هذا العقد وهذا السياق، والعكس بالعكس إذا كانت النصوص في مرحلة متأزمة والنفس غاضبة ونافرة ومجروحة يذهب التفسير لنقض معاني الأخوة أن عليًا سمّى معاوية وحزبه أخوه في قوله: "إخواننا بغوا علينا" وهذا النص ينسخه الخبر في قول الإمام زين العابدين (ع): هو كقوله تعالى: {إذ قال لهم أخوهم صالح}. كما أن دليل العالمية في قوله: {وما أرسلناك إلا كافة للناس}، لو كتبها أحد ليس لديه اضطراب هوية لكانت محاضرة بنكهة مختلفة. حيث يوجد ما يناقضها من أخبار كثير في الكتب المعتبرة تنقض هذا مثل: نحن الناس وشيعتنا أشباه الناس والباقي هم النسناس.
مرايا التحولات الاجتماعية
الشيخ يدخل في مهارات ومغارات لا تمت للواقع بصلة. فهل يصح إسقاط المغامرات الخيالية إسقاطها عموديًا بشكل معاصر دون قراءة الواقع والارتباط بالعمل الواقعي. الوضع الراهن فيه لحظات من التحولات غير مسبوقة تاريخيًا، من المهم تقديم رؤية واقعية عملية والنظر في مرايا غير مقعرة ولا محدبة تنسجم مع الرؤية الواضحة وخارطة تمكن المتلقي من التمسك بالهوية الدينية دون أن يجد تعارضًا بين الهوية من جهة والانفتاح والتحول من جهة أخرى.
اختبار إسلامية نظرية دارون:
يستعرض الشيخ خبرته العلمية في الأحياء والجماليات وصيرورة الكائنات بشكل مغاير نوعًا ما عن الذوق الإسلامي العام ويقدم انفتاحًا جميلًا على نظرية التطور وهو جدًا جميل منه مع أني أتحفظ على "أسلمة العلوم"، وكان سيكون أكثر نفعًا وانسجامًا وتنويرًا لو قدم التعايش مع الآخر والتعامل مع الإنسان والحيوان والحجر والشجر ولن تعجزه النصوص فهو كائن مختار وأما النصوص غير التوافقية وغير العملية فنؤمن بها ولا نعمل بها على قاعدة "فذروه في سنبله إلا قليلًا مما تأكلون" بدلًا من طرح الثالوث كشرط للعالمية واشتراط الانصهار الذي قد يكون مناسبًا في الزمن القديم إذ كان خطابًا جميلًا مفيدًا عمليًا في زمن الطيبين.
المغالطات المنطقية:
كالأفعى تأكل ذيلها، أو كالتي نقضت غزلها من بعد قوة، فبعد طرح عالمية الشريعة واستيعابها للناس كافة، ينسخها الشيخ بثالوث الشروط، استغرق الشيخ 22 دقيقة لشرح معنى العالمية و17 دقيقة لعرض أدلتها وصولًا إلى حل لغز عالمية الشريعة المحمدية، لغز بقي المتلقي يبحث عنه ردحًا من المحاضرة وبعد الإجابة، الشيخ الرامي للتحرر من الكهف أعاد المتلقي فيه من جديد لأنه اكتشف أن الحرية هي الانصهار والذوبان والتوحيد والطاعة، الأمر الذي يقلل من شأن البحث عن معنى العالمية أصلًا، فثالوث شروط الخطاب ينسخ عالميته.
من المغالطات المنطقية في المحاضرة، لا يمكث الشيخ كثيرًا بعد سرد حجية "عالمية الدين المحمدي في قبال الأديان الأخرى" حتى ينقضها.
ومنها أيضًا إطلاق الأحكام المطلقة دون دليل: كما في قوله "إننا لا نجد العقيدة الأخلاقية المتوازنة بصورتها الكاملة إلا في الإسلام"، وهو كلام حازم جازم يساق دون دليل في مقابل الكلام عن القومية العربية وأنها غريزة، وأنها لا تعرف القيم! على قاعدة "حب وقول وأبغض وقول".
وكذلك يستخلص بشكل تعسفي أن الأديان الأخرى ليست عالمية بالمعنى الكامل والشامل.
ومن المغالطات المنطقية تقرير الشيخ عالمية الشريعة المحمدية مع أنها لم تستوعب سوى الجزيرة في قبال عدم عالمية الدول الاستعمارية مع أنها كما قال استوعبت ثلثي الأرض، وهو استنتاج تعسفي ويحق للمتلقي أن يسأل الدولة الإسلامية التي توسعت واحتلت ماذا فعلت؟!.
في الختام يبقى الإنسان منحازًا لمعتقداته (في وعيه أو في اللا شعور) مهما حاول تحيدها أو ادعى ذلك.
ورقة نقدية خلال اللقاء السنوي للقراءات النقدية لمحاضرات سماحة العلامة الشيخ محمد العبيدان ().



