أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

من سيهات.. الدبيس تُدغدغ كائنها الغيبي في حُزنائيل عبر نُصوص لا تُشبهها

جمال الناصر · القطيف اليومالأربعاء 27 أكتوبر 2021، 9:15 ص
من سيهات.. الدبيس تُدغدغ كائنها الغيبي في حُزنائيل عبر نُصوص لا تُشبهها

أصدرت الشَّاعرة فاطمة عبدالله الدّبيس، باكُورة أعمالها، بعنوان "حُزنائيل" الذي بزغ عن دار بين النُّجوم بجدة في ٣٣٦ صفحة من الحجم المُتوسط، مُحتضنًا بين أوراقه ٧٤ نصًا، تأتي خليطًا بين الشّعر العمودي والتفعيلة، والكتابة النَّثرية الوجدانية، إضافة إلى الأبجدية القصصية.
تُعرف الدّبيس كُنه ظلها، لتستفيق من غفوة الواقع إلى اللاواقع الذي شغفها عشقًا، تُعتقه في كُل حين، وفي كُلّ حرف؛ اسمي فاطمة الدّبيس، لكنَّ هذا الاسم لا يشبهُني، ولدتُ في عالم لا يُمثلني، أكتب في كُلّ شيء، وعن كُلّ شيء، لكنَّ هذه النُّصوص كُلُّها لم تستطع حتى الآن أن تُعبر عني.
كتبت في إصدارها "حُزنائيل" ما يُشير إلى هذا المعنى في بيت من الشّعر، يجيء على لغتها المُسافرة إيجازًا نقيًا، إنَّها لا تكتبه بقدر أنَّه يكتبها:
لم أشبه المرآة يومًا، إنَّني
حتى أنا لا أنتمي لأنا يا..
وبيَّنت أنَّها شاعرة، والشّعر مرآة صافية لذاتها، تأتيها كقطع الثَّلج في عير الليمون بالنّعناع، إن كان الجو حارًا، يتلظى، وتكُون الدّفء، إن تدلى الشّتاء بأنفاسه.
ما أول نص كتبكِ؟
تُجيب الدّبيس عن سُؤالنا الذي اختار أن يستكشف الأبجدية في دنياها، ليضرب بسهمه في عمقها، ومفاده؛ ما أول نص كتبه يراعكِ؟، لكنَّها أدارت القوس، لتُصوبه باتجاه التيه الممزوج باليقظة: "أعتقد أنَّك تقصد: ما هو أول نص كتبكِ؟".
وتابعت، في زهو الذَّاكرة المُشتهاة: "أنا لا أكتب حين أكتب، بل أنسفح في الإنصات للوحي الذي يعرفني أكثر مني، يصُبّ نُصوصه صبًا في قلبي ثُمَّ ينسبها لي، أنا بريئة من كُلّ حرف نُسِب لي، وإن نسبته بنفسي لنفسي".
وأشارت: "كان ذلك مُنذ الطُّفولة المُبكرة، حين كان وحيي الصَّغير، يكتب لي مُقدمات الإذاعة المدرسية، ومواضيع مادة التَّعبير، ورسائل الصَّديقات، والأناشيد القصيرة".
وقالت عبر احتضان حافية القدمين على وقع همس الغيمات: "في كُلّ ذلك، كُنت عاشقة، تُراقص حبيبها تحت المطر، وما زلت".
في الضَّياع
تأتي الدّبيس سراعًا خارج المألوف، تتسلق سُلَّم الدُّروب، لتبحث عن ذاتها التي طالما تبحث عنها، بلا ملل أو كلل، تُلقي شراكها على منضدة الوقت، لتصطاد حبيبها، لتُشرق الابتسامة بين شفتيها، وتصرخ: "الآن، أجدُني".
تقُول عن لحظات اليراع بين أصابعها، لتكتب: أكتب حين لا أكون، لأكونني، أكتب حين تُضيعُني الدُّروب، لأجدُني، أكتب حين تطعنني الوحدة، لأشعر بمعيّة الأشياء حولي، لكنَّني في كُلّ مرة أعود من نصي بلا جدواه، ثُمَّ أعود من اللاجدوى للنَّص مرة أخرى، وهكذا تدور الرَّحى، لتتساقط السُّنبلات فوق راحتيَّ.
وترى أنَّ الكتابة لا تُداوي الجرح، بل تُعمق ألمه، مُبينة أنَّ الكتابة لا تُطفئ اللهيب، بل تقدح شرره، لافتة إلى أنَّها لا تُبرئ الأكمه والأبرصَ، ولا تُحي الموتى، لكنَّها تمر عبر شرايين الحياة، لتُولد مرة أخرى على شكل قصيدة.
عيناهُ تُبصر
تقُول الدّبيس عن إصدارها الأول: "إنَّ حُزنائيل، كان يخشى الضَّوء كثيرًا، هذه الخطوة، هي الأولى في عالم الشَّمس!".
وعن ولادته، تُجيب: "إنَّ الإصدار ولد صدفة في زمن الكُورونا، عندما كُنَّا سادة الزَّمن لا عبيده، عندما كان الوقت بحرًا شاسعًا لا طلًّا خفيفًا، مُشيرة إلى أنها في تلك الحُقبة المُبهرة من العُمر اكتشفتُ أنَّها كتبت عن كُلّ شيء؛ عمَّا قبل نشأتها، وعن طُفولتها ومُراهقتها، وشبابها وكُهولتها، جربتُ أن ترتبها حسب التَّرتيب الزَّمني، فخُلق هذا الكتاب إلا قليلًا، ثُمَّ زادتُ عليه، ورتلتُ حزنائيل ترتيلًا".
وعن اختيارها للعنوان، أوضحت أنَّه في الحقيقة، يأتي الملك الذي يلقنها الوحي مُنذ طفولتها، مُنذ كانت الكتابة تعبيرًا لصديقة أو رسالة إلى مُعلمة.
وأضافت أن حُزنائيل هو الرَّفيق والصَّديق، الحبيب والطبيب، الأخ والأب، الأم والعائلة.
وتابعت: "لكنَّني لم أبُح لأحد عن هذا الكائن الغيبي الذي يعيش داخل عُروقي، لم أبُح لأنَّني أشعر أنَّه مخلوقٌ لي، وأنا مخلوقةٌ له، أنجبتهُ من رحم عدمه، وأنجبني من رحم عدمي، هو الكائن الغيبي السّري الذي أتماهى به، ويتماهى بي بخفة الماء واتساع الفضاء".
وأردفت: "ترددتُ كثيرًا في أن يكون اسمه الملائكي عنوانًا لمجموعة نُصوص لا تليق بكنه تألقه، لكنَّني جنحتُ لمغفرته الدَّائمة وعفوه المديد، والآن بعدما انتهكتُ حُرمته ها أنا أجني ثمار جريرتي، ها أنا أخلّد في نار الغيرة عليه، كُلَّما سمعتُ اسمه أو قرأته أو تحسَّست إعجاب أحد ما به".
وبيَّنت أن فلسفة العنوان، تكمُن في أنَّ العنوان دائمًا، هو جواز المُرور لعوالم الكتاب بشكل عام، وعوالم الكاتب بشكل خاص، و"حُزنائيل"، لفظ مُتمرد على اللّغة كما كتابها مُتمرد على التَّصنيفات الأدبية، وكما أنا مُتمردة على الواقع بأسره.
وقالت: "أنا أرفض أن تُشكلني الظُّروف، وكتابي يرفض أن يُشكله جنس أدبي واحد، وعنوان كتابي، يرفض أن تُشكله كلمة مخلوقة سلفًا، ليكُون مُتفردًا".
جمالية الحُزن
وأوضحت أنَّ الحُزن، هو الباب الأوسع للحقيقة، هو الممر الذي يُؤدي لمُتعة الاكتشاف، ولذة الوصول، مُستشهدة بقول نيتشه: "إذا قررت تقليل الألم البشري، فأنت أيضًا تُقلل قدرة البشر على الشُّعور بالمُتعة والسَّعادة".
وأردفت قائلة: "نحن هُنا لا نتحدث عن الحُزن السَّلبي الذي يُؤدي بالإنسان للانتحار الحقيقي أو المجازي، لكنَّنا نتحدث عن الحُزن الذي يُغرينا لتذوقه والانسفاح بتقلبات ماهيته".
وتابعت: "الحُزن الذي نعيشه، ويعيش فينا، الحُزن الذي يتحول لأحداث يومية وعادات تُذكّرنا بإنسانيتنا، الحُزن الذي يدفعنا لنقرأ، ونكتب، ونرسم، وننسفح في عالم المُوسيقى بكُلّ حواسنا، الحُزن النَّظير للجمال، والجمال النَّظير للحُزن".
ما ينبغي أن يكُون
وذكرت في ذات الضّفة التي يأخذها اليراع إلى أفقه الأوسع في البوح، أن الشَّاعر ينبغي له التَّحليق عاليًا دون الخوف من مشارط النُّقاد والرُّقباء والعُذال، والمُتزمتين، وأن يتمتع بالجُرأة الكافية التي تُخوله بأن يكُون الإبداع ذاته، لا شبيهًا، يُتمتم مُفرداته.
وبيَّنت أنَّ الصياغة الأدبية، والشّعرية منها من خلال الأسلوب الكلاسيكي -المُباشر-، في مُقابل البلاغة، وابتكار الصُّور الجمالية الأولى، بأنَّها لا تميل للأسلوب المُباشر، لكنَّها تجده لونًا من ألوان الأدب، وله حُضوره وشعراؤه وجمهوره وأنصاره.
وأضافت أنَّ الموضوع ذوقي محض، ولا علاقة له بالرُّقي، لافتة إلى أنَّ مفهوم المُباشرة نسبيٌّ وغير مُحدد بمعايير مُحددة، وقالت: "فما قد أراها صُورة مُباشرة، يراها آخرون فنًا بلاغيًا مُثيرًا، وما قد أراها صُورة بلاغية مُدهشة، يراها آخرون أسلوبًا قديمًا ونهجًا عفا عليه الزَّمن، وبالأخص أنصار الحداثة المُفرطة".
وأوضحت: "نحن نميل إلى ما يُشبهنا دائمًا، وعندما نثني على نص أو أديب مُعين، نحن نتحيز بشكل كبير لعاطفتنا، وذوقنا الخاص دُون النَّظر إلى مدى صحته أو خطأه بشكل عام".
قمَّة الهرم
وبين بساتين القطيف الشّعرية الوارفة الخُضرة، ترى الدّبيس أنَّ القطيف، تقع في قمَّة الهرم الإبداعي، والمُسابقات الأدبية المحلية والدُّولية خير شاهد ودليل على فرادة القطيف، وتمركزها في المقدمة.
وأجابت عن سُؤالنا عن تقييمها للمُستوى الإبداعي إلى شُعراء القطيف، وقالت: "أنا أقل بكثير من أن أقيّم الأسماء الباذخة واللامعة في سماء القطيف، إنَّهم مُبدعون، والمرآة، تعكس جمال قصيدهم أينما تُدار، يشرق ضوء".
وفيما يخص غياب القراءات النَّقدية في القطيف، توضح: "إنَّ النَّقد جزء لا يتجزأ من النَّص الأدبي، هو البوصلة التي تُوجه القارئ للنَّص، وتوجه النَّص للقارئ، ولا أجده -أي النَّقد- غائبًا في القطيف، بالعكس نُقادنا فيهم الخير والبركة".
وفي ختام إطلالة التيه، تُعانق الدّبيس نبضات اليقظة، لتضع خُطوات اللّغة في اللانهاية، وتفتح نافذة أخرى، لتغرق اللّغة ذاتها مُجددًا، توأمًا لا انفكاك، تقُول: "اللاشيء، أقول له: شُكرًا لأنَّك اصطفيتني لأكُون ابنتك!".

بلدات:سيهات