حزنائيل الوجه الجديد والمعنى الأصيل.. قصة الوظيفة المعطلة للغة العربية

بدايةً هذا العمل مختلفٌ في شكله ومضمونه عن كثيرٍ من الأعمال في الساحة الأدبية.
يبدأ الاختلاف في العمل من عنوانه والذي هو (حزنائيل) حيث جاء العنوان مُخْتَلقاً من خيال الشاعرة التي استخدمت إحدى أهم وظائف اللغة الأساسية، وهي صناعة اللفظ وتحميله بالدِّلالة.
هذه الحرية في اصطفاء الحروف وجمعها كانت عبقريةً لمن يستخدمها في زمن أرباب اللغة الأوائل، وأصبحت بعد ذلك جريمة في حق القاموس وانتهاكاً لقداسة الوجه الأوحد، مما يعكس خللاً تاريخياً في مفهوم صناعة اللغة يتمثل في الوظيفة اللغوية للفظ (كيف ينشأ وكيف يرتحل).
بشكل عام أصبحت اللغة العربية لغة قاموسية وأصبح اللفظ لا يحتمل غير ذلك الوجه الذي سيقت فيه تلك الدلالة وصرنا نستخدم اللغة التاريخية في حياتنا الرسمية وتبتعد عنها في حياتنا الشعبية العامة مما شكل واقعين للغة، ولأنه سادت عقلانية القالب أو القاعدة الصحيحة أو الأصح التي لا يوجد أعلى منها فإننا دفنَّا وراءنا إرثاً كبيراً وتراثاً جمّا تتجلى فيه قوة الاختلاف وحلاوة التنوع للحقيقة التي لم تكن مطلقةً أبداً.
وعلى سبيل المثال لا الحصر أذكر ما رواه السيوطي في مقدمة كتابه (التبري من معرة المعري) حيث يقول: «دخل يومًا على الشريف المرتضى فعثر برجل فقال الرجل: من هذا الكلب؟ فقال أبو العلاء: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسما، ثم يقول السيوطي: قلت وقد تتبعت كتب اللغة فحصلتها ونظمتها في أرجوزة وسميتها "التبري من معرة المعري"» (1).
من ذات هذه المكاشفة للتاريخ سنرى كيف أن للعرب لغات اصطلح عليها باللهجات وكذلك سنصطدم بالحراك النحوي الكبير بين مدارس النحو المختلفة التي في النهاية سادت إحداهن على أخواتها اتباعاً للمفهوم العقلي الذي فرض الوجه الأوحد وطمس كل الإمكانيات الخلاقة للسان العربي.
وللتوضيح فإن اللفظ كان ينتمي لمعنى يحتمل التعدد وكان يسمى هذا التكتيك اللغوي (الحرف) أي الوجه الذي سيقت فيه الكلمة، وكانت لعبة الكاتب أو المؤلف بل ذروة النشوة المعرفية وقتها تكمن في الاكتشاف وفي تشكيل سياقٍ ما، من خلاله يخلق الكاتب لفظاً جديداً ومعنىً مبتكراً.
من هنا سنستوعب كيف تنوعت المفردات اللغوية العربية دون غيرها من اللغات، ولا يختلف أحدٌ على أنَّ اللغة العربية من أهمِّ خصائصها اختلاق اللفظ وتحميله بالمعاني.
هذا الدور المفقود اليوم يعد مستهجناً رغم انبهار المتلقي بالجديد من الكلام، لكن لايزال العقل الجمعي يرفض الخروج عن كلمات القاموس ولا يقيم وزناً لهذا التلاقح اللفظي الذي يشبه تمامًا اندماج خلية بأخرى ليشكل مخلوقاً آخر ممتداً من ذات النسيج الذي انطلق منه ليكون أحد أفراد تلك السلالة التي انبثق منها.
لقد نجحت الشاعرة فاطمة الدبيس في تجاوز عقبة القوالب العقلية وحواجز القاموس الصلبة (الإسمنتية) وأسلاك الاحتكار الشائكة لظاهر اللفظ واستطاعت ببراعة أدبية أنْ ترفد اللغة العربية بمفردة جديدة عبأتهُ بالحزن المقدس، تاركةً المتلقي في صراع مع مفردة حزنائيل منتصرةً لولادة مفهومٍ في ذهنه، نابعاً من حريته في تشكيل وجهٍ جديدٍ لمعنى أصيل.