يقولون.. ونقول

كثيراً ما يربط الناس معاني مختلفة بلفظ معين، أو يستخدمون مصطلحات مختلفة لترمز إلى معنى أو فكرة معينة، وربما كان الناس على قناعة تامة بما يحمل هذا القول أو ذاك من معانٍ، وبالطبع لم تكن هذه القناعة من فراغ، ولا بد للملاحظة وحقيقة الأشياء من دور في تلك القناعة، لكن هل كل ما نعتقد صحيح خصوصاً حول الغذاء والتغذية، أم أن هناك جزءاً من الحقيقة، ثلثيها، نصفها أو ربعها، أو أقل من ذلك خافٍ وغير معلوم لدى العامة؟
نقول: يؤتى الحذر من مكمنه
عندما نتطلع اليوم إلى المنجزات التقنية في غذائنا وما أضافت إليه من تحسينات لا تنكر والتي هي مصدر اعتزاز، كثيراً ما ترتسم على وجوهنا ابتسامة تخفي وراءها شيئاً من الشكوك والمخاوف والحذر، يقول المثل: "يؤتى الحذر من مكمنه" قد يحفر الإنسان قبره بيده، نفس التقدم العلمي الذي انعقد عليه الأمل واعتبر الملاذ الأخير لضمان توفر الغذاء، انقلب ليصبح عدواً يهدد بمشكلة غذائية وصحية لا أحد يدرك إلى أين تنتهي.
إنها متشابكات العلوم والتقنيات الحديثة التي قلبت الأرض وحرثتها لتدفع لنا بإنتاج غذائي مهول تجعل المتأمل في حيرة من أمره، وكم شاهدنا تشابك هذه التقنيات بالغذاء بعد إخراجه من الأرض ودخوله أفواهنا فصالت وجالت في أسرار أجسامنا وعاثت بصحتنا وما كان لنا خيار فيما يحدث من منطلق أنه لا ضرر منها حتى وصلنا إلى حقائق وعلاقات بين أنواع معينة من الأغذية وبين الأمراض، وأصبحت إفرازات التقنيات السامة في أغذيتنا تثير الخوف والقلق في مختلف مجالات الحياة، وصار كثير منا وهو يشتري متطلباته من مراكز التسوق ومحلات بيع الأغذية، يحس بشيء من الخوف، ويشعر بهاجس يلازمه من أن يكون مشترياً حتفه بنفسه.
يقولون: ما في سم عقب نار
ما كان من الأمثال أصبح في مجال العلم حقيقة واقعة، فقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن النار تلعب دوراً كبيراً في الحد من التسممات الغذائية، فهي تستعمل كسلاح طبيعي للقضاء على الميكروبات المسببة للأمراض أو التسممات.
أما فيما يتعلق بأمر السم الذي لا يعقب النار، فحقاً هناك كثير من السموم الجرثومية التي لا تتحمل الحرارة وتقضى بالتسخين، لذا فينصح بغلي الطعام المعلب والذي يشك الإنسان فيه لمدة 10 دقائق، وهي فترة كافية للقضاء على السم، كما يجب طبخ الأغذية بدرجة مناسبة تكفل إتمام القضاء على ما قد يكون موجوداً من مسببات التسممات الغذائية الميكروبية، ولكن هناك جراثيم مقاومة للحرارة توجد بصورة واسعة في الطبيعة، وفي الأغذية، قد تتحمل درجة حرارة الطبخ، تنمو وتبقى حتى في درجات الحرارة العالية، لذلك فمصنعو الغذاء في حاجة إلى مواصفات للمواد الخام التي لم تتعرض لمعاملة حرارية.
ولمن يعتقدون في القول "ما في سم عقب نار" نقول حقاً الحرارة ضرورية للقضاء على السموم، وبعض مفرزات ومسببات التسمم من الجراثيم الموجودة في المواد الخام للأغذية، لكن هناك سموماً لأنواع معينة من البكتيريا مثل المكورات العنقودية الذهبية، وهذه السموم مقاومة لدرجات الحرارة العالية ولا يمكن تدميرها بسهولة، وبالتالي لا يؤخذ ذلك القول على مطلقه.
يقال: أنت ما تأكله من غذاء
أو بمعنى آخر أن كل إنسان يبني جسمه من طعامه، ترى ما مدى صحة هذه العبارة؟ عندما نستعرض تركيب جسم الإنسان من الناحية الكيميائية نجده يتكون من الماء والبروتينات والدهون الكربوهيدرات والمعادن وقليل من الفيتامينات، ومن ناحية أخرى لو استعرضنا ما يأكله الإنسان وما يشربه من غذاء فإننا نجد أنه يتكون من نفس المكونات السابقة التي يطلق عليها العناصر الغذائية والتي يستمدها الجسم من الغذاء لاستخدامها في بنائه وصيانته وإنتاج الطاقة اللازمة لقيامه بالأنشطة المختلفة، هذه العناصر قد لا توجد كلها مجتمعة في مادة غذائية واحدة، فهناك بعض المواد الغذائية التي تحتوي على عنصر غذائي واحد مثل السكر، فيما نجد بعض المواد الغذائية كالحليب يحتوي على معظم العناصر الغذائية.
يقولون: لا يهضم جيداً إلا الطعام الذي يُحَب
إن قولاً مثل هذا لا يجب اتباعه والأخذ به لأنه ينتج ضرراً بالغاً، فالعناية بالصحة لا يجوز أن تترك أبداً على عاتق "الحب".
يقولون: وجبات أيام زمان كانت سيئة!
نقول إنها كانت مناسبة لأوضاع أجدادنا في تلك الأيام حيث لا يتوفر لهم وجبة دسمة يومياً وقد لا يأكلون لشهور طويلة اللحوم ويعيشون على المنتجات النباتية، لم يكن هناك شيء متوفر، كانوا يأكلون ما تقع عليه أيديهم من رزق الله، لكن لم يكن عندهم تصنيع ولا كيمياء، كانوا يأكلون الطبيعي، الطعام طازجاً ولم يفكر أحد في تخزينه أو حفظه، فأغذيتهم كانت صحية فلم يكن لديهم أمراض العصر ولا مشكلاته.
والأمر الآخر هو مقدار الطاقة التي تحرق، ففي السابق كان الشخص يقوم بكل أعماله بنفسه، أما اليوم فوسائل الحضارة جعلت الشخص كسولاً، وبالتالي قلت الحركة وترسبت الدهون وجلبت لنا الكثير من المشكلات والأمراض.
يقولون: الأرز يسبب السمنة
نقول الأرز لا يسبب السمنة إذا أكل بصورة طبيعية، ولكن المشكلة في أننا نأكل الأرز بكميات كبيرة جداً مقارنة ببقية الأغذية، والصحيح هو تعديل سلوكنا الغذائي وطريقة تقديمنا للأرز على الموائد، وذلك بعدم وضعه على المائدة بكميات كبيرة ابتداءً.
نقول: لكي تغذي جسماً حياً، يجب أن تعطيه أطعمة حية
كل شيء طازج، مملوء بعناصر النمو والمشبع بنور الشمس، وبالعصارات الحية، فالأغذية الغضة والحية تحتوي على العناصر التي تحتاجها خلايا جسمنا.
أكثر الأمراض تزداد خطورتها بسبب النظام الغذائي السيئ، لكون القيمة الغذائية غير كافية أو مفقودة وخصوصاً المعادن والفيتامينات، فالأغذية المصنعة والوجبات السريعة تحرمك من نشاطك وتهدم صحتك، إن هذه الأغذية الميتة أو المحرومة من الحياة لا تقدم ما يحتاجه الإنسان، في الوقت الذي يحتاج فيه إلى أغذية حية تكون كل لقمة منها مجددة للجسم ومقوية له.
من تخلل ما تعلل
يحب علماء التغذية أن يعرفوا معنى هذا المثل القديم "من تخلل ما تعلل"، الذي يؤكد أن لاستخدام الخل فوائد صحية تمنع العلل من غزو الجسم، إن للخل القدرة على تثبيط وإيقاف نمو بعض أنواع الميكروبات الضارة والتي تسبب التسمم الغذائي.
وفي الأخير أعود للقول الشائع الذي بدأت به حديثي "يؤتى الحذر من مكمنه"، إن لثورة التقنيات الحديثة ضريبة يدفعها الإنسان من صحته وحياته، وما تقنيات زيادة توفير الغذاء وحفظه للإنسان إلا مفردات لهذه الثورة، وتتجاذب الضريبة التي يدفعها الإنسان من صحته من هذه التقنيات عوامل عدة، فهناك الكيماويات التي تستعمل بشكل عشوائي، وهناك المضافات الاصطناعية التي تستعمل في تحسين طعم الغذاء وشكله ورائحته وتتضمن مواد سامة، وهناك الهرمونات التي تعطى إلى الأبقار والدواجن، وهناك بقايا المبيدات على الخضراوات والفواكه التي تسبب العديد من أمراض الجهاز العصبي والهضمي، وهناك الأغذية المعدلة جينياً والمعالجة إشعاعياً التي تحمل العديد من المخاطر الكامنة، وهناك الملوثات مثل السموم الفطرية والديوكسينات، ومن المؤكد أن كل ذلك أدى إلى تحميل جسم الإنسان الكثير من المخاطر الصحية، المعروف منها والمجهول، وأحدث خللاً وإرباكاً في قدرة الجسم على مقاومة الأمراض المستعصية، وفي مقدمها مرض السرطان وتدمير الكبد والكلى، وأمراض ضعف المناعة وغير ذلك، هذه هي التقنيات ومتشابكات العلوم، فأين هي الصحة؟
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.



