ذكرى الحريق..

وَجِلاً وَقفتُ على الجذوعِ بربوةٍ
دفَنوا بها في المقْبَرين فُؤاديا
حَوَتِ الأفُولَ و تُربها متَسلّمٌ
جَسَدَ العزيزِ أوِ الذليلِ سَواسيا
أرضٌ تصلَّدَ تُربها فنَباتها
بُتْرُ الجُذوعِ تخالهنَّ صَواريا
خلَتِ القبورُ بمن تنَزّلَ فيهمُ
إلّا شواهدُها تظلُّ بَواقيا
وأدرتُ عيني في صعيدِ مُقامِها
و جعلتُ أضربُ يمنتي بِشماليا
وبَدَتْ بِتَلْعتِها شواهدُ مضْجعٍ
متَزمّلٌ فيها بأَحمرَ قانيا
فذَكرْتُ واقعةَ الحريقِ و هَولها
ما كان مِثْليَ للْوَقيعةِ ناسيا
عَجَبًا لوَقْعةِ خيمةٍ نزَلت بنا
كُسَرت بِليلتها عِمادَ خِياميا
و تَصَدعتْ مِنها ركيزةُ قلعتي
فكأنّما فيها هوى بُنيانيا
قد حيّرتْ فكري وقِيعتُنا التي
خدَشَت فواجعُها لبَيبَ صَوابيا
فسألتُ في أهلِ البلاءِ لعلني
ألقى بهنّ من التعجبِ شافيا
يا نسوةَ الموتِ الذين تَزينو
مُتقلّداتٍ كلّ أبرقَ صَافيا
و النازلينً على المنونِ هوازجًا
و المكتسينَ من اللباسِ غَواليا
متأَهّباتٍ للمَماتِ عوالمٌ
برحيلهنَّ إلى الجنانِ مَواشيا
لم نلْقَ مثْلَ صنيعكُنّ بمن مضى
حُرَمٌ هُمُو في عرسِهِنّ أضاحيا
هل كان حادِ العُرسِ يعلمُ سرّكن
و لنَشْرهِ فيكنّ أوصى ناهيا
فأَهابكنّ وداعَ والدةٍ لها
ولدًا فإنّ مَسيركُنّ فُجائيا
و بنا لكُنّ بَنينكنّ بواكيٌ
و لنا بكُنّ حُجوركنّ خَواليا
فَخَلت بكُنّ مًواضعٌ لم يَملها
من بعدكُنّ مدى الزمانِ مُداريا
عجِزت أكفُّ الأقربينَ و عًطفَهم
أن يجعلو أيتامكنّ سَواليا
و الله أوصى باليتيم تلاوةً
طُوبي لمن لاقى بأَهْلهِ حانيا
وبكت لكُنّ نواظرٌ من غيرنا
فجميعُ أقطارِ البلادِ مُواسيا
و لقد عَتبْتُ و ليس ذلكَ مُنصفًا
إنّ العتابَ أحقّهُ أحْبابيا
يمّمْتُ وجهي شَطرَ مُلْتحدٍ حَوى
قمرٌ أضائتْ ناظريهِ لَياليا
قمرٌ هوى في ليلةٍ قمَريّةٍ
فبِكتْ دُموعَ الفقْدِ فيهِ سَمائيا
فمَضى معيشي بين ظهرٍ دائمٍ
و ضحًا تسَرْمدَ حرّهُ بعظاميا
أمّاه قد كنتِ الظِلالَ و جَدْولًا
أصْبٌو إليه إذا اكتوَت أحْشائيا
أمّاه قد كنتِ الربيعَ و مَوْئِلًا
إن هبّ ريحٌ عاصفٌ بشِتائيا
للِه شكوي يا أميمةَ حاتمٍ
من حالِ يُتْمٍ حرّهُ أضنانيا
للِه شكوي يا أميمة حاتمٍ
من هبّ صرصرةٍ بَرتْ أغصانيا
أمّاهُ ما خِلتُ المنون تُصيبكي
حتى ترينَ كُهولتي و مَشابيا
أماهُ لو كان المنونُ مخيراً
لفديتكِ عمري وكل ذَراريا
أماهُ كم من زفرةٍ نثرت دمي
و تَقطعتْ من حرّها أوْصاليا
أمّاه لا أنسى دخوليَ حجرةً
و أبي يجاذبُ ثوبهُ إِخوانيا
فتَصلّبتْ منّي عُروق سَواعدي
و منَ الكلامِ خلتْ جَوامعُ رَاسيا
لمّا رأيتكِ بالبياضِ سَكينةً
أيقنتُ أنّي قد فقَدْتُ حَياتيا
فكأنّما روحي هناكَ تجندلت
و على الرّخامِ تكفّنتْ آماليا
أوترحلينَ و ليس ثمةَ نظرةٌ
لوليدكي بل أين كان وَدَاعيا
و لقد مضى جيلانِ مذ عصفَ الردى
فلتسْألي الجيلينِ عن أحواليا
غازٍ أتى شيبي جوانبَ هامتي
متَمرّدًا في جانبَيْ أصْداغيا
و تثلّمتْ منّي نوازلُ وجنتي
و سقتْ دُموعي رَيُّها أشْداقيا
فرجوتُ لو بعدَ المماتِ أتيتِني
حلمًا يزورُ صبيحتي و مَسائيا
فتعودَ روحٌ قد فقدتُ و إنها
تأبى عليَّ بوصلها و جِواريا
و كأنها سكنت بقربِ ضريحكِ
رغدًا فلم تأتي لجسمي ثانيا
و لقد رأيتُ أبي بليلةِ أن أتى
خبرّ الردى ذهِلَ الفؤادِ و حافيا
عجِلاً بِباب البيت يرجو أن يرى
منكِ المُحيّا باسمًا مُتَعافيا
لكنّهُ لمّا تفقّدَ جَمْعنا
و رأى مكانكِ فارغًا أو خاويا
نزَلت بلامعِ مقلتيهِ كآبةٌ
و سعى لبحْثكِ علّهُ لكِ لاقيا
فأحطتهُ قبل الخروجِ بإخْوتي
و سبقتهم لأبيهمُ بسؤاليا
فيمَ النساءُ جميعهنّ صوارخٌ
و لم الرجالُ مطَئْطئينَ نَواصيا
فأجابني بجَوابِ منكسرِ اللّوا
و قد انحنا كفّاهُ من أكتافيا
نزلَ القضاءُ على القديحِ بساعةٍ
أمْسَتْ بها مُضرٌ تجرُّ مَآسيا
إنّي بحثْتُ بأرْضِ نازلةِ البلا
و أتيتُ منها جاريًا أو ماشيا
فشدد ليُتْمكَ يا بنيّ محازِمًا
طوبى لمن لقيَ البلِيّة راضيا
و إلى هنا أحْجمْتُ عن سردِ الأسى
و تقطَّعتْ مني حُروفُ كلاميا
وجًرت دموعٌ لستُ أمسكُ طرفها
و بكت شواهدُ قبرها لبكائيا
و زَفرتُ من حرِّ التحسرِ طاويًا
ألمًا أبى طولَ الزمانِ تَشافيا
فتجاوبتْ قاعٌ بأرضِ حليلةٍ
نوحًا أذابَ شكيمتي و فُؤاديا
و أجابني صوتٌ أعادَ مَسامِعي
صمَّاءُ كانت قبلهُ آذانيا
أبنيُّ لا تَعتبْ فما لي طاقةٌ
فالحزْنُ موطنهُ رُبى أحشائيا
أبنيُّ إني قد لقيتُ عظيمةً
و اليومُ نوحكَ قد كوى أحزانيا
أبنيُّ إنكَ لو رأيتَ نَفيرنا
لسكبتَ دمعكَ أو أقلْتَ عِتابيا
أبنيُّ إنك لو سمعتَ نِدائنا
لهجرتَ نومكَ في سُهادٍ باقيا
أبنيّّ إنكَ لو بَصُرتَ بجمعنا
لبذلتَ عُمركَ للرّزيةِ رَاثيا
أبنيُّ إنّي قد أضرٍّ بيَ اللظى
و أبتْ جُروحي أن تريدَ تَداويا
أبنيُّ لمّا أبْصَرت عيني اللظى
و جرتْ تُحَرّقُ أرضها و كِسائيا
ذهَبت بفِكْري صورةٌ زوجي بها
و لقد أحاطَ جِهاتهُ أطفاليا
فودَدْتُ لو قبلَ المماتِ ضمَمْتكم
و ملَئْت من أحضانكم أحضانيا
و لثَمْت منكم كلّ خدٍ أو يدٍ
و سقيتُ من أنظاركم أنظاريا
أبُنيُّ إنّي قد رجوتُ زيادةً
في العمْرِ حتى تكبرون أماميا
لأُزيل عنكم كلّ غمٍّ عارضٍ
و أُعينكم في همّكم بحنانيا
و أُداوِيَ الأسقامَ ما نزَلت بكم
و تعالجونَ ببِرِّكم أسقاميا
و أراكمُ في غدْوكم لمَعيشةٍ
صُبحًا و حين إيابكم بعِشائيا
وأَرى بنينيَ حولهم أولادهم
و تسرُّ عينيَ في رُؤى أحفاديا
لكنهُ قدرٌ مضى بمصيرنا
و المرءُ حتمُا للقضاءِ مُلاقيا



