الحبيب في «ذلك الإنسان».. هنا مأزق النظريات النفسية

قدم الكاتب سلمان عبد الله الحبيب للساحة الثقافية مجموعة من الكتب، اخترت في هذه الإطلالة أن أتصفح أفكاره في كتاب (ذلك الانسان).
واختياري لهذا الكتاب له مبررات كثيرة أحدها وأهمها، هو أن الكاتب في معظم هذا الكتاب (إن لم نقل أغلبه) سلّط الضوء على السلوك الإنساني، والنظريات النفسية التي تحاول تفسير هذا السلوك، ومحاولة علاجه.
والكتاب من الحجم الوسط (13/20سم) وعلى مدى 256 صفحة في فصلين ومقدمة وخاتمة قدم الكاتب الحبيب قراءته للسلوك الإنساني والنظريات المفسرة لهذا السلوك.
الإنسان ومعنى وجوده: تحت عنوان (الإنسان) وعلى مدى 100 صفحة تناول الكاتب الحبيب الكثير من القضايا والعناوين، مستفتحًا شاهيته بالمعنى الوجودي للإنسان، أو هدفية الوجود لهذا الإنسان.
المعنى الوجودي، والصدمة الوجودية عناوين فلسفية تضمنتها نظرية طبيب الأعصاب النمساوي (فيكتور أميل فرانكل) الذي أصبح معالجًا نفسيًا يرجع إليه الفضل في تأسيس مدرسة العلاج بالمعنى، الذي هو شكل من أشكال العلاج الوجودي.
والحقيقة أن فرانكل عانى ما عانى في السجون الألمانية النازية، وبعد أن كتب الله له النجاة من السجن والإعدام والمحرقة، أخرج كتابه (الإنسان يبحث عن معنى) وأكمل نظريته التي هي خليط من الفلسفة وعلم النفس.
يقول الكاتب (سلمان الحبيب) في صفحة 18 من الكتاب مفسرًا الصدمة الوجودية (بعد أن يدرك الإنسان الحياة القصيرة التي يعيشها، ومدى القهر الذي يتعرض إليه، ومدى العجز أمام المرض والموت والفقر والشيخوخة، ومدى الضعف أمام ما يحدث من كوارث طبيعية، أو ظلم إنساني من ذوي القوة الجسدية أو العسكرية، فإنه يتساءل عن معنى وجوده، ومدى القيمة التي يمكن أن يحققها في هذا الوجود المليء بكل تلك الكوارث).
الحب والحبسة العاطفية:
يسجل الكاتب جنوحه إلى الحب والتسامح كلغة عالمية للسلام الإنساني، ففي مكان ما من الكتاب يسلط الضوء على نظريات الإرشاد المعرفي، ومنها نظرية العلاج العقلاني العاطفي للعالم (ألبرت أليس)، ونظرية العلاج المعرفي لأرون بيك، وكلاهما ممتعضان من جدوائية مدرسة التحليل النفسي، وكلاهما يركزان على التفكير والتصورات الداخلية لدى الفرد، بينما تهدف النظرية المعرفية عند (ريمي) إلى تصور الإنسان الخاطئ عن نفسه، كل ذلك أطل عليهم الكاتب، إلا أنه وضمن كتابته عن علاقة الإدراك بالوجدان يجنح إلى موضوع الحب ويفصل فيه، ويشير في الصفحة 93 من الكتاب إلى أن الحب (سمو نفسي، ورجاحة عقل، وقدرة فائقة على أن تكبح نفسك من جماح السلطة الوحشية، التي تعيدك إلى أصلك الحيواني).
ويتحدث الكاتب عن الحبسة العاطفية بين الجنسين ويرجعها إلى الخجل أو القلق أو الخوف من العلاقة العاطفية، أو تعود إلى ثقافة المجتمع التي تفرض القيود على المشاعر أو إلى التنشئة الاجتماعية والأسرية.
السلوك الإنساني:
تحت هذا العنوان بذل الكاتب جهده لتسليط الضوء على نظرية التحليل النفسي التي أسسها سيغموند فرويد 1881م، والتي تعتبر من أقدم النظريات النفسية، ومن بعدها شق العلماء النفسانيون طريقهم في التنظير سواء من اتفق منهم مع فرويد، أو من اختلف معه والذين أطلق عليهم فيما بعد بالفريديون الجدد أمثال (الفرد أدلر، وآنا فرويد، وهاري سلوفيان، وكارين هورني، وثيودررايك، وإيريك فروم، وكارل يونج، وغيرهم.
في الحقيقة أن الكاتب (الحبيب) أعطى قراءة مطولة لمدرسة التحليل النفسي، فبعد أن سلط الضوء على نظرية التحليل النفسي بشكل عام تحت عنوان (هكذا تكلم فرويد) من خلال 17 صفحة من الكتاب سلط الضوء فيه على حياة فرويد ونظريته وصراعه مع العلماء الذين كانوا يعملون معه، بعدها ذهب الكاتب إلى مطالعة في كتاب فرويد (حياتي والتحليل النفسي) وفي نحو 12 صفحة يرى الكاتب (الحبيب) أن فرويد في هذا الكتاب ينحو إلى تفسير العصاب النفسي بالمكبوتات الجنسية، وتحليل هذه المكبوتات من خلال أحلام وروايات المريض، على خلاف ما كان يراه صديقه وزميل عمله (بروير) من أن هذه المكبوتات يجب التنفيس عنها، وليس استخدامها في تحليل شخصية المريض.
ثم يذهب الكاتب إلى تسليط الضوء على كتاب فرويد (الحياة الجنسية) استغرق ذلك منه ما يقارب 28 صفحة، ويبرر ذلك لنفسه بأن الحكم على نظرية، أو شخص يحتاج إلى قراءة متأنية لتفاصيل نظريته، وطريقة ربطه السلوك الجنسي بالماضي الطفولي للإنسان.
ومرة أخرى نرى الكاتب وفي عدد 12 صفحة من كتابه يعمل مطالعة لكتاب فرويد (ثلاثة مباحث في نظرية الجنس)، ويفصل فرويد آراؤه في الميول الجنسية، الأصحاء، والمثليين، ويقسم فرويد المثليين إلى ثلاثة أنواع، ويرفض فرويد وجهة النظر القائلة بأن الشذوذ صفة مكتسبة.
ينتقل بعدها الكاتب إلى إطلالة على جميع نظريات العلماء النفسانيين الملقبين بـ(الفرويديون الجدد) ليستعرض ملخصًا من نظرياتهم، واختلاف وجهات نظرهم مع أستاذهم ومعلمهم فرويد.
استغرق ذلك من الكاتب نحو 64 صفحة، وبجردة قلم نجد أن نحو 30% من الكتاب يتحدث عن فرويد ونظرية التحليل النفسي، وإذا أضفنا لذلك الصفحات التي استغرقت للحديث عن (الفريديون الجدد) فإننا بلا شك سنصل إلى أن نسبة تزيد على 50% من صفحات الكتاب صرفت للحديث عن مدرسة التحليل النفسي بين فرويد و(الفرويديون) المختلفين معه، وهذا يشير بشكل كبير إلى تركيز الكاتب على هذه النظرية وأهميتها في مدرسة علم النفس، وضرورة المطالعة الدقيقة والنقد الدقيق المضطلع على كافة التفاصيل.
مأزق النظريات النفسية:
بعد هذه الجولة الجميلة على مختلف النظريات النفسية، يخلص الكاتب إلى أن المأزق الذي تقع فيه المدارس النفسية يتلخص في التالي:
1/التناقض: فبينما تركز مدرسة التحليل النفسي على أن الطريق إلى علاج الحالات عن طريق التركيز على الجوانب اللاشعورية في الإنسان، تهتم بقية المدارس بالجوانب الشعورية. وكذلك الاختلاف بين ما ينحو له أتباع المدرسة المعرفية التي ترى أن السلوك هو نتاج المعرفة، ترى المدرسة السلوكية أنه نتاج الاكتساب والتعلم. ونرى هذا التناقض بين كل هذه المدارس النفسية مجتمعة، وبين مدرسة الجشطلت التي تعني بالإدراك الكلي، وترى أن السلوك كل متكامل لا يمكن تجزئته.
2/ التناول العام للإنسان وإغفال فرديته، فقد تناولت النظريات الإنسان بشكل عام، ولم تتناول الفرد باعتباره حالة مستقلة.
3/ الشمولية: فقد حاولت كل نظرية نفسية تفسير السلوك الإنساني بنظرة شمولية، وهذا يتنافى مع فلسفة العلم التي نادى بها (كارل بوبر).
ويقترح الكاتب في نهاية الأمر مجموعة من الاقتراحات لحل هذا المأزق، وهو الاستفادة من جميع النظريات لمواجهة الحالات النفسية، من أجل إلغاء الشمولية، كما أوصى بالاستفادة من نظرية (الذات) لـ(كارل روجرز) في العلاج المتمركز حول العميل، ودعا إلى الاستفادة من المدرسة الوجودية، في إعطاء الفرد الحرية في ظل المسؤولية الممنوحة إليه، أما نظرية الجشطلت فدعا الكاتب إلى الاستفادة منها في تدريب الأفراد على أساليب الوعي.



