البشر الملائكيون

يعرّف المختصون المرض النفسي بأنه اضطرابات تؤثر على مزاج المصاب وتفكيره وسلوكه، ومن هذه الأمراض النفسية: الاكتئاب، واضطرابات القلق، والفصام، والشخصية الحدّية، والشخصية المرتابة، وسواها.
كما يرجع المختصون أسباب ذلك لعدة عوامل منها: عوامل وراثية لا يد للمريض فيها بل ولا لذويه في أغلب الأحيان، أو عوامل بيئية قبل الولادة أو بعدها -وهنا فيما بعد الولادة أرى أن دور الأسرة والمقربين محوري في تفاقم الحالة المرضية وتعقيدها أو في المساهمة الفاعلة في علاجها وشفائها لأنهم اللاعب الرئيس في المسألة-، وكيمياء المخ، والصدمات الطارئة، وبعض الأمراض العضوية؛ وبإمكان القارئ الكريم العودة للكتب المختصة لمزيد من التفاصيل.
تتعدد الأعراض تبعًا لكل حالة، غير أن المختصين يضعون لها أعراضًا عامة أبرزها: (الشعور بالحزن والكآبة، وعدم السعادة أو الاستمتاع بالحياة، والتفكير المشوش وعدم القدرة على التركيز، وتغييرات حادة في المزاجية ارتفاعًا وانخفاضًا، والمخاوف الشديدة أو القلق، أو المبالغة بالشعور بالذنب، والتعب الشديد وانخفاض الطاقة، أو مشاكل في النوم، وعدم القدرة على مواجهة المشاكل والضغوطات، وصعوبة في الاستيعاب، وعدم القدرة على فهم المواقف والأشخاص وكيفية التعامل معهم، وتعقيد العلاقات، والنزاعات العائلية، والتشكيك في الزوج، والمبالغة في الخصوصية، وتغييرات في عادات الأكل، وتغييرات في الدوافع الجنسية، وتغيير مسار الأحداث والحقائق حسب الأوهام، وعدم قبول النقاشات أو آراء المخالفين، والغضبُ الشديد أو العدائية أو العنف والانتقام، وبعضها يصل للتفكير في الانتحار).
أما عن الوقاية والعلاج فيقول المختصون: إن الاهتمام بالنفس، والنوم الكافي، والغذاء الصحي، وممارسة الرياضة البدنية، والابتعاد عن الضغوطات، والانشغال بالهوايات المفيدة، فضلًا عن المتابعة الصحية مع المختصين، وتناول الدواء حسب رأي الطبيب ووفق الجدول الزمني، وعدم التهاون في الفحوصات، فضلًا عن حسن العلاقة بالله والعمل بأوامره وتجنب نواهيه يساهم مساهمة كبيرة في اختصار المدة العلاجية والوصول لمرحلة الشفاء.
ما ذكر أعلاه ليس لي رأي فيه ولا وجهة نظر، وإنما جمعته من المواقع الإلكترونية ذات العلاقة ثم رجعت للمختصين في جزئياته، وكان مدى تصرفي فيه قليلًا للغاية؛ ليكون مقدمة ضرورية لما بعده.
انتشرت الأمراض العضوية والنفسية انتشارًا كبيرًا في أغلب المجتمعات المعاصرة؛ لذلك وجب علينا الالتفات المبكّر حتى يسهل العلاج.
كثيرٌ من الأمراض العضوية الخطيرة تكون يسيرة أمام بعض الأمراض النفسية المتقدمة، وجلُّ الناس معرضون للمرض النفسي كما هم معرضون للمرض العضوي تمامًا، ولا أحد منّا ينأى بنفسه عن ذلك مهما كانت الملكات والظروف.
بعض الناسِ يعتقدون أن الأمراض النفسية هي حالات جنونية مغلّفة، وهذا الاعتقاد عارٍ عن الصحة جملة وتفصيلًا، وأغلب الذين يعتقدون بهذا هم من الأميين تفكيرًا وإن كان ظاهرهم التعليم!
الجنون خلل في تركيبة الدماغ أو الوصلات العصبية يؤدي إلى تغيير السلوك؛ في حين أن المرض النفسي هو إصابة تحدث من خلال التعامل مع المواقف والأشخاص وليست خللًا عضويًا في الدماغ كما يرى ذوو الاختصاص.
إن المجتمع الراقي يتعامل مع المرضى النفسيين بمزيد من الوعي والإحساس والحرص، ولكن دون تكلّف أو مبالغة، وينظر للمرض النفسي على أنه حالة مؤقتة تزول بالعلاج، ويحترم هؤلاء المرضى احترامًا كبيرًا للغاية، ويتعامل معهم كسائر الناس وبعفوية تامة.
إن التعامل مع الأحاسيس والمشاعر أكثر تعقيدًا آلاف المرات من التعامل مع الأعضاء مهما تعقّدت. جُل الناس بحاجة للعلاجات النفسية للتغلب على صعوبات الحياة ومتاعبها؛ غير أن البعض منهم يخجل من ذلك خوفًا من إسقاطات الآخرين عليه لاحقًا. كثيرٌ من الحالات النفسية المتقدمة أصبحت غير موجودة بعد علاجها لدى المختصين.
ينبغي علينا جميعًا تعميم ثقافة الإيجابية تجاه العلاجات النفسية، وتجاه الأطباء والاختصاصيين النفسيين؛ حتى تصبح ظاهرة اجتماعية طبيعية؛ تتوازى مع الأمراض العضوية المعتادة.
إن إلمام المجتمع بطريقة التعامل مع المرضى النفسيين يختصر فترة العلاج ويعزز الثقة فيهم ويبني نفوسًا سويّة راقية قد أنهكتها ظروف الحياة.
ومن خلال معرفتي البسيطة ببعض هذه الحالات وجدت أن جلّهم من خيرة الناس عطاء ووفاء وإنسانية، بل إنهم ورود الجنة التي تمشي على الأرض. يتميز بعضهم بذكاء حاد، وثقافة عالية، وذوق يسابق السماء علوًا؛ ولولا هذا العارض لكانوا هم صفوة المجتمعات وقادته لأنهم البشر الملائكيون.
إن نظرة عامة على الواقع المرضي -العضوي والنفسي- للناس حديثًا يقول بأن حاجة المجتمعات القادمة للأطباء والاختصاصيين النفسيين قد يوازي احتياجهم لأطباء الأمراض العضوية.
قد يكون من السهولة بمكان جبر كسور العظام وجبر جروح الأعضاء، غير أن جبر الأرواح يحتاج لضمادات نفسية خاصة، وأساليب دقيقة، وأوقات معينة، وبيئة مُعدّة سلفًا؛ لأنه يتعامل مع أرواح بالغة الحساسية وشفافة جدًا، وفي منتهى الرقة، وسهلة الانكسار.
وعليه؛ ينبغي على المجتمعات التعامل بمنتهى الأخلاق، ومنتهى الذوق، ومنتهى رقي الأسلوب مع بعضها؛ خشية أن نكون عوامل هدم اجتماعي تزيد من الحالات النفسية للناس أو تزيدها تعقيدًا بقصد أو دونه، كما ينبغى على المرضى النفسيين أنفسهم التعامل مع مرضهم على أنه عارض طبيعي كالأمراض العضوية لا يتطلب الإفراط في الخصوصية والحساسية والشعور بالألم، فضلًا عن المبالغة في ردّة الفعل والاندفاعية ما أمكن.



