وما أبرئ نفسي..

كم نتمنى على أولئك الذين ينظرون للناس ويحللون ويشخصون ثم يمطرونهم بوابل من النصائح وسيل من المواعظ والنصائح والتوجيهات والحكم بعد أن يلفقوا لهم التهم بالحياد عن الخط المستقيم وبالأمراض والشخصيات المركبة والعقد النفسية، نقول كم نتمنى عليهم أن يقفوا أولاً عند أحوالهم ويتفحصوا أهليتهم إن كانت تجيز لهم ضخ هذا الجنون المسموم من التعسف والإسفاف دون وجه حق، فلربما هم من يحتاجون التوجيه والعلاج.
لو كان هؤلاء أو بعضهم من ذوي الاختصاص لسلمنا بالأمر لوجود الحجة بالجنبة العلمية المعتبرة، مع أن هذا لا يعفي المختص أيضاً من أن يكون مبتلى بحالة من الحالات التي يتكلم عنها، ولكنه لا يملك مقدرة الخلاص ويحتاج لمن يسعفه ويخلصه من بلواه.
من الأفضل أن يكتب ويتكلم كل فرد في مجاله، هذا إن كان له مجال يستحق أن تستخلص منه المادة القيمة، أو كان له على الأقل القدرة على طرح موضوعه لفائدة الآخرين.
يخيل لنا أن المبتلى الحقيقي هو ذلك الذي يزكي نفسه وينظِّر دون وجه حق أو صفة اعتبارية ودون معرفة وفهم، وهذا لن يخرج عن إطار الغيبة المقنعة أو ازدراء الآخر، أو هو ناتج عن مواقف اصطدم بها فأفرغها من خلال قلمٍ أو منصة أو مواقع تواصل وخلافه، ولربما هو يعني شخصاً معيناً يريد تشويهه وإسقاطه بطريقة أو بأخرى، خاصة إذا ما كان ذلك الشخص ناجحاً في حياته وفي المجال الذي يقدم فيه نفسه.
الحذر مطلوب، وكيل التهم ممن جعل من نفسه وصياً على غيره خطير، فلربما أضر به قبل أن يضر غيره، وإن كان بشكل رمزي أو عفوي، فما بالك لو كان مبطناً ومقصوداً.
ونقول أخيراً: من أراد أن ينفع الناس فليعطهم مما يملك سواء كان علماً ومعرفة أو كلمة طيبة أو قولاً بعروف أو مالاً يسد به حاجة محتاج، لا أن تتخذ المنصات مكاناً لإطلاق الترهات أينما أراد ونحو من يريد، وليتذكر ويفكر ويقول قبل ذلك: "وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي".



