أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

لحظة حلم أبيض

غالية محروس المحروس · القطيف اليومالثلاثاء 18 يوليو 2017، 12:40 م
لحظة حلم أبيض

يبدو فجري هنا ذو أبعاد تتجاوز شرب القهوة وقد تمتد إلى أبعد من ذلك, بهذا الوضوح وبهذه الكلمات استدرج القارئ وأنا أخاطب ذاتي وكم يغريني الفجر أن أكتب وحتى لا أطيل سأبدأ من السطر الأخير, وسأتحدث عن تلك الليلة عندما حلمت حلما جميلا له طعم ورائحة ولون, و حتما ستبقى مشاعري صادقة, أعذروني إن لم يروقكم مقالي رغم صدقه وعمقه فلا عليكم أتركوه عنكم, سأتناول حلمي بعيدا عن الفلسفة والفكر وسأتحدث عنه كما شعرت به ولامس إحساسي وجوارحي.

ثمة في الخفاء بين السطور قلق مفعم بالألم لكل أشياء الحياة التي تبددت, فهذا الإحساس هو ما يجثم فوق صدري ولا أعلم تماما لماذا يجول هذا الإحساس هنا, الجميع نيام إلا من رحم قلبي, قلمي وقهوتي الغالية جدا على نفسي يتسامرون معي ليلا أحاول أن أرتقي بقلمي صهوة الإبداع, ما أقسى أن ننام ونصحو من حلم جميل وقصير, وفي الواقع يعلم الجميع إن المرء من شدة تعبه يخلد للنوم وهو يخفض جفونه, ويدخل عالم الأحلام التي لا علاقة لها بالواقع حيث إنها تتراءى أثناء النوم, ولقد حيرتْ الأحلام الناس منذ زمن بعيد وخضعت لتفسيرات عدة, فالبعض قديما اعتبروا الأحلام ما هي إلا تجارب تمر بها الروح عند النوم, ولكن البعض الآخر فسروا الحلم على إنه تعبير عن رغبات مكبوتة, أو قد تكون هروبا من هموم الدنيا وأوجاعها,وكما يقال من لا يحلم لا يمكن أن يشاهد الحقيقة أمامه, لأسبح في هذا الحلم الجميل لحظة تعرية المشاعر, وقد حذف هذا الحلم مني كل الكلام وخذلتني بعض الأحاسيس وغلبتني المشاعر.

عندما يقترب المرء من وسادته تبدأ الأفكار, وعندما ننام نغرق في بحر من الأحلام, لقد تعودنا على ذلك إنها حاجة يومية نعيشها مع لذة الخيال وألم الواقع, آه ماأقساك يا زمن لقد سرقت أحبائنا وافترقنا, يا رب لهم رحمتك بُبعد السماء والأرض, آه ثم آه غاب ورحل أخي إلى الأبد وللتو تستيقظ في ذاكرتي ذكريات نائمة, فاستحضار الذكريات الحلوة من خلال أحلامنا هي حافز لاستمرار حياتنا, واليوم أخي ما عاد يربطني به غير الذكرى والحسرة ويتخلل ذلك الدمعة والعبرة.
وأنا متكئة على وسادتي مشغولة بأفكاري لا أدري كيف داهمني النعاس, وبعد أن صحوت شاهدت أوراقي غافية على صدري, في تلك الفترة الزمنية التي استسلمت للنوم فيها, زارني حلم جميل لم أحظى بمثله يوما والذي فيه شاهدت أخي المرحوم وجدي يقف أمامي مبتسما مرحبا بي, وبقيت أنظر إليه غير مصدقة عيناي وخائفة من أن تتلاشى صورته من أمامي, ومد يده مقدما لي هدية لا تحضرني ماهيتها ابتسمت واطلعت تنهيدة قادمة من أعماق روحي, ليتني استطيع أن اعرف ماذا يقصد أخي بهديته لي وهل من حقي أن أعرف وما أكثر الذين لا يفصحون, ولكن ما تفسير ذلك الحلم وكيف استطيع مواجهة مفسري الأحلام؟ هل أخبرهم بمدى اشتياقي لأخي ومدى حسرتي عليه, وهكذا ظهر لي في المنام ولعل الموضوع لا يحتاج إلى تفسير, وسأعتبر ذلك الحلم الأبيض هدية ربانية من الله, تمنيت أن يعود الليل ويعود حلمي وتوسلت لوسادتي أن تحفظ حلمي لأرجع له متى أردت, وتمنيت أن أطير ذاك المساء لعلني أصل للسماء وأجد أخي الذي رحل في غفلة مني, كنت أنتظر ذلك الحلم معه كنت أحتضن بعض أشيائه حتى تستوطنني روحه النقية, ما زالت رائحته من بعد حلمي تستوطن كل أركان غرفتي ربما ينام ذاك الحلم هناك.

عشت أجمل لحظات حلمي مع أخي وقد صورها عقلي وملأ قلبي طربا, تلك اللحظات المعدودة التي قضيناها سويا بحلم أبيض كبياض قلبه, وبقيت أقول مناجية يا أخي أطلت الغيبة وأرهقتني من الانتظار فلا تخذلني, ففتحت عيناي ذاك الصباح الباكر ونهضت على غفلة من النوم لأجد نفسي وحدي, وأنا ألهث من التعب وغسلت وجهي ونظرت إلى الساعة فكانت السادسة, وحزنت لأنني استيقظت منه استرجعت الحلم بذاكرتي فإذا هو موضوع جميل, تناولت قلمي وبدأت اكتب الفكرة وباشرت الكتابة, ولكني أجد طيف أخي بين السطور وفجأة اختفى وما زالت بعض المشاهد في الحلم تفرض حلاوتها على أجواء الغرفة, وكان المنظر حالما رائعا لا أدرك مكانه ولا زمانه, ولا أدري كيف لكن ضوء الشمس نشر أشعته الذهبية في أرجاء الغرفة, رغم إنه كان صباحا حارا ارتعشت مفاصلي وأنا أتجول داخل غرفتي, أعددت قهوتي وجلست إلى مكتبي أبحث عن شيء ما لم استطيع تحديده.

هناك أحاسيس وأفكار متداخلة وشعور مختلط يراودني, وكنت بحاجة قوية إلى ذاك الحلم الجميل, الهدوء توسد المكان وشيئا من الخوف سكنني وربما نما الخوف بداخلي بسبب وحشة الليل,ومضيت أجري دون شعور مني إلى أين أقصد وقلبي يخفق بسرعة بين ضلوعي, وفي الليلة الثانية نمتُ بعدها وأنا أستنجد بروحه الطاهرة وصورته الجميلة التي لم تفارقني, وسألت نفسي ماذا حدث بالأمس حاولت أن أحرس ما تبقى لي من ذاك الحلم, اقتربت من سريري واتكأت على وسادتي التي تحمل كل أسراري وهمست لها أريد أن أرى نفس الحلم, وكان لحلمي رعشة مميزة حيث ألححت على ذاكرتي لعلها تسعفني بتذكره أو باستحضار بعض التفاصيل, وقد كان حقا حلما مميزا يستحيل وجوده في أي حلم ولا يستطيع أن يصوره أي فنان, وتعجبت كثيرا حيث إنه لم يكن أكثر من حلم, و هكذا نظل نحلم ولا نتوقف عن أحلامنا فلعلنا نجد ضالتنا يوما .

ما هذا الحلم الذي طال الطريق به أو تاه عنه هل أنا تأخرت أم هو؟ يقشعر بدني برغم إنني كنت منتظرة مثل هذا الحلم وما أعذب الأحلام التي تنعش أرواحنا العطشانة, لقد كان حلما عشت لحظاته بسعادة وتملك روحي وكنت انتظره من بعيد وطال صبري, وكم كان في سهري ذلك الحلم الذي داعب مخيلتي وأنزل دمعتي على وسادتي بعد استيقاظي.

ماذا كان لي أن أتخيل في أقصى درجات الخيال أن ألتقي بأخي في هكذا حلم, يا إلهي في ذاك الحلم أنا وأخي وهديته ثلاثية قلما تآلفت في حياتي, معذرة يا أخي فإن القلوب قد تتساوى وتلتقي في الأحلام, وما أحوجنا إليها وما أجمل اللقاء في عالم الأحلام, وجميل أن ينطق الحلم والأجمل أن أنام كي أحلم, أيها الحلم أواقع أنت أم خيال أيها الحلم هل ستزورني ثانية أم سترحل بعيدا, فإن تلك اللحظات التي عشتها مع حلمي حملتني إلى عالم الروح ونقلتني في رحلة مجازية حقيقية فالحلم متعة وجمال وهبة ربانية و لم تكن سوى سرقة شرعية من عقارب الزمن.
​
أشكرك يا إلهي لقد كان حلما جميلا بكل أبعاده وأوجاعه ولعله لم ينته تماما من ذاكرتي سأضل أتذوقه وأتذكره كثيرا.

الذكرى 18 لوفاة الأخ الأديب الشاعر وجدي محروس المحروس