ليس لدي رغبة في الطعام - نفسي غير مفتوحة

عندما يذهب المريض إلى الطبيب ويشكو إليه من فقد الشهية، فعادة ما يلجأ الطبيب إلى وصف العقار الدوائي الذي يحصل عليه من الصيدلية.
تعتبر الشهية مظهراً من مظاهر الصحة والعافية، ويكفي أن تلقي نظرة عن قرب إلى شخص ما لتكون فكرة سريعة عن شهيته، ونصل إلى استنتاج صحيح عن عافيته.
لكن هذا المعيار الدال على الصحة قد يتبدل في ظروف معينة لا تدل بالضرورة على المرض، بل إن المعايير الفيزيولوجية والظروف المحيطة يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تبدل هذه الشهية.
ولا يخفي على كل ذي بصيرة أن الصحة النفسية والعضوية تسيران جنباً إلى جنب من أجل بناء جسم سليم خال من الأمراض والآفات.
هناك الكثير من الحالات النفسية والفيزيولوجية لها علاقة بأنواع معينة من الأغذية، وتتأثر فيها الشهية، فعلى سبيل المثال: الهم والقلق والانفعالات النفسية، وضغوطات الحياة، والمرض، والسلوكيات الخاطئة، والدواء، والشعور بالاشمئزاز والقرف لمنظر معين، مثل هذه الحالات تلعب دوراً مهماً في ضعف الشهية وتوقف المعدة عن الإفراز بسبب النهي العصبي.
وفي ذكريات الطفولة، هناك ذكريات تجعل البعض ينفر أو يشعر بالاشمئزاز، ذكرياتنا مع الجراد، كنا نقوم بصيدها وهي تطير على ارتفاع منخفض ونضعها في الخيشة، ومصيرها الشوي على الجمر لتكون بعد شويها مقرمشة ونأكلها كما نأكل البطاطس والدجاج المقرمش! فهي عند البعض غذاء مفيد وشهية ما بين مقلية ومشوية ومطبوخة، لكن عند البعض الآخر خصوصاً هذه الأيام لا تعدو آفة حشرية خطيرة وملوثة ومقززة شاء محبو الجراد أم أبوا! إنها ذكريات لعل من الخير أن نذكرها، فقد كان أكلها شائعاً في ذلك الوقت.
يقال إن الطعام أذواق ونفس وعادات، وقديماً قالوا: "العين تأكل قبل الفم"، وهذا الكلام فيه كثير من الصحة، فبعض الناس يشغف بطعام معين ويقبل عليه، وإذا جلس للمائدة تفتحت شهيته وأكل براحة وسعادة ويسيرون مع المثل "كل ما تشتهي نفسك"، بينما ينفر آخرون من الطعام ذاته، وهذا أمر طبيعي ويلتصق بثقافة معقدة ترتبط بالطعام وطهارته وحلّيته والبيئة والعادات والثقافة والأعراف الاجتماعية.
هناك علاقة بين أنواع معينة من الأغذية وبين الشهية، فهناك أطعمة تكبح الشهية، وأطعمة فاتحة للشهية، فالطعام الذي لا تستسيغه معدتك، أو أنِفَته نفسك، ينبغي أن تكف عن تناوله، ولكن يجب أن نؤمن أن نتناول الطعام كيفما اتفق سلوك غير صحي ولا يحمي الجسم من الأمراض.
إلى أي مدى تساعد بعض الأطعمة في فتح الشهية؟ وإلى أي مدى تتداخل جزئيات الطعام مع مشاعر الرغبة الدفينة في النفس البشرية؟
يشتكي الكثير من الناس من عدم استساغتهم بعض الأطعمة رغم أنها ذات قيمة غذائية عالية، ونجدهم يقبلون على أنواع خطأ على الصحة فعلى سبيل المثال نراهم يركزون على الأطعمة الدسمة فقط ويحذفون الفواكه والخضراوات الغنية بالمعادن والفيتامينات، لذا نجد الكثير منهم يعانون من مشاكل صحية.
المتجولون في الأسواق ورواد المطاعم والجهات الرقابية على مخازن ومحلات الأغذية، هؤلاء يشاهدون الكثير من المناظر ويعيشون الكثير من المواقف المقززة التي تكتئب لها النفس وتؤثر على الشهية، فنحن نشاهد في الفضائيات أطعمة مما تتناوله الشعوب الأخرى، فتشمئز نفوسنا منها وتأنفها النفس ونكاد نتقيأ إذا رأيناها مثل قيام الصينيين بتحميص الصراصير والخنافس ويأكلونها كما نأكل نحن الفستق واللوز والكاجو.
والأمثلة المشابهة كثيرة ولكننا نخاف على شعور القراء، إن ترك أمر الطعام للذوق الشخصي أمر مقبول نسبيًا، فبعض الناس لا يأكلون دهن اللحم، أو لا يأكلون اللحم أصلاً، ويتجنبون أكل الدسم من قشدة وزبدة وسمن بلدي ويكتفون بالنباتات التي تعامل ببعض الزيت النباتي، بينما يبالغ آخرون في أكل اللحم والدهون والدسم والشحوم والزبد والسمن، وكلا الطرفين واقع بين الإفراط والتفريط، المهم تطبيق القواعد القرآنية {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا}، والعمل على تحقيق المواءمة من الجانب الشرعي.
أن تجد حشرات وخصوصاً الصراصير تتنزه في أرجاء مطعم بحرية تامة، صور مزرية تخيم على مآكلنا، ليست بعيدة على أفخم مطاعم الخمس نجوم وتزداد فرصة التسمم كلما قلت درجة المتابعة والنظافة ولكن هل هذا غش؟ لا بالطبع إنما هو إهمال.
الغش والإهمال في الأطعمة كلاهما مصيبة، فالغش فعل مقصود والإهمال ترك مقصود أي ترك للتقييم والرقابة وكلاهما يضر ويقود للتسمم، فمثلاً كشف كميات كبيرة من التمور المتعفنة داخل أحد مصانع منتجات التمور بالمدينة الصناعية في مكة المكرمة ووجود فئران نافقة فيه، فعل مقصود، والعمالة التي ضُبطتْ وهي تقوم بإذابة الدجاج المجمد وتسويقه في صورة دجاج بلدي طازج، هذا من الغش، أما ما شاهدته من خلال مقطع فيديو؛ مشهدًا شديد المأساوية ولا يمكن تجاهله، ظاهرة متكررة يومياً، عندما يسدل الليل خيوطه ليتحول السوق (لا أريد أن أعنيه) بعد ذلك إلى ساحة رقص للفئران، وعند أول حركة تبدو في السوق تعود إلى جحورها تاركة وراءها مرتعاً خصباً من السموم والملوثات، فهذا إن صحّ فهو عين الإهمال، قذارة يأنفها ويشمئز من رؤيتها رواد السوق، فضلاً عن أكل ما يعرض من أصناف، إنها مشاهد تقذي منظرها العيون، وتعاف النفوس، وتسيء إلى سمعة السوق، لا أريد أن أقول أكثر من هذا.. وعيون المسؤولين عنه كلها نظر!
منصور الصلبوخ - أخصائي تغذية وملوثات.



