التأمين الصحي والمستشفيات : بين الطموحات الصحية وأهل القوة المادية!

عندما يدور الحديث عن " الصحة " وما تحمله هذه الكلمة من معارف متداخلة، هي من ألزم، وأهم المكتسبات التي يجب على الإنسان أن يتزود بها في سعيه الحثيث للتمتع بحياة سعيدة.
" الصحة " من مفهوم التوعية من أهم الأسلحة التي يجب أن يتزود بها الإنسان في حربه ضد المرض الذي يضرب جسده، وحينما نتحدّث عن " الصحة " بشكل عام فنحنُ نتحدث عن منظومة تشمل هيئات، ومنظمات حكومية، ودولية مرموقة ذات صلة بالطب والعلاج، وهناك المنشآت الصحية، والكوادر الطبية، والشركات المتخصصة، هذه المنظومة تحملُ الكثير من المفاجآت، والمخاطر، والكثير أيضًا من الفوائد والمنعطفات.
والحديث هنا ليسَ عن كل المنظومة، بل هو حديثٌ عن شركات ذات الصبغة التجارية البحتة، دخلت إلى حياتنا للاستثمار التجاري في صحتنا.
لا يخفى على أحد ما وصل إليه بلدنا المعطاء من تطور، وتجديد في جل المجالات، ونال المجال الطبي نصيبًا وافرًا منها؛ يتمثل في بناء منشآت ضخمة، وتوفير تقنيات متقدمة، وكفاءات وطنية ماهرة، وخدمات صحية مميزة.
الذي دفعني إلى كتابة هذا المقال برنامج يبث عبر إحدى الفضائيات الخليجية، سجل فيه الضيف نقاط سلبية على شركات التأمين الطبي، والمستشفيات في القطاع الخاص، في الواقع لم أُفاجأ أبدًا بما سمعته؛ لأنه كان واضحًا، ومنذ سنين عديدة، وإن كان هناك اختلاف في الآراء، والنظر للأمر، فالجميع يتفق بوجود تجاوزات صحية، إنها ليست اتهامات بل حقائق وشواهد، والمسألة مسألة فكر مادي، ولا شك أنه سلوك سيئ، بل وسيئ جدًا، وهنا نتوقف عند هذين القطاعين فهما يشكلان قلاعًا ضخمة من المصالح المادية؛ باعتبار المريض عندهم مجرد زبون يتم استغلاله بصورة غير طبيعية كونه مصدر لجني الأرباح.
- صدر نظام التأمين الصحي أو الضمان الصحي التعاوني بقرار مجلس الوزراء رقم 71 بتاريخ 27 ربيع الآخر 1420هـ، يهدف هذا النظام إلى توفير الرعاية الصحية، وتنظيمها لجميع المواطنين، والمقيمين غير السعوديين في المملكة.
نعم، لقد سعد الجميع بصدور قرار إلزامية التأمين الصحي الذي هو بحق أشد ما نكون بحاجة إليه للاستشفاء، ومواجهة المرض، وخاصة في بلد مثل بلدنا تتوفر فيه هيكلية تنظيمية صحية حديثة، من هذا المنطلق أرى أن على أصحاب المستشفيات الخاصة أن يقدروا هذه الخدمة الوطنية؛ فهي خدمة إنسانية، وقيمة أخلاقية قبل أن تكون في نظرهم مصدر ربح وخسارة.
بدأت شركات التأمين الصحي والمنشآت المرتبطة بها تستفيد من ذلك القرار بتغيير المسار، وتجاوز الحدود، طلبًا للربح على حساب القيم الإنسانية والأخلاقية.
نعم، حاجة الناس الماسة لخدمات شركات التأمين الصحي، ابتداءً من دورها البالغ الأهمية في ازدهار القطاع الصحي، وأيضًا لتخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، ولحاجة محدودي الدخل الذين لا يملكون ثمن العلاج، لكن ما نشهده اليوم هو خيبة أمل، وانحرافات، وتلويث للنفس، وفجور، تنمو، وتترعرع في الوسط الطبي، يقوم بها أناس فقدوا الضمير الحي، همّهم الوحيد جمع الأموال، وإن كان على حساب الأبرياء من الناس.
هدفنا هنا لفت النظر إلى مسائل بالغة الأهمية بدأت تفرض ذاتها بإلحاح على بلدنا ومجتمعنا؛ فالعلاج في المستشفيات الخاصة أخذ عندنا اتجاهًا مختلفًا، وتحول إلى فكر مادي رهينة سياسات مدمرة، هي المشكلة الحقيقية التي تواجه القطاع الصحي؛ فأصبح من السهل التعدي على حقوق المرضى دون محاسبة، فكر مادي سائد أفرزته سيطرة رجال الأعمال على الطب، وأصبح التعامل مع المريض يفتقد للمشاعر، والأحاسيس الإنسانية، وبأنه مجرد سلعة أو قيمة سوقية.
فواتير العلاج في المستشفيات الخاصة مرتفعة جدًا، وكثير ممن يقتحمون هذا القطاع لا تكون لديهم فكرة وافية سوى الحيثيات المالية.
كنا نترقب من شركات التأمين الصحي أن تخلصنا من أعباء، وتكاليف العلاج الباهظة والتي لا يستطيع كثير من الناس تحملها - ومعظم الحالات لمرضى يعانون من ضيق ذات اليد - بدفع المستشفيات إلى تقديم أحسن، وأحدث رعاية صحية للمريض، وخدمة طبية متطورة، ومنتظمة في ظِل توفر الإمكانيات التقنية الحديثة، والأطباء النطاسيين، والفنيين المتخصصين، والخدمات المميزة، وكنا سنحظى بحياة سليمة نظيفة خالية من الأمراض؛ فالصحة هي من نعم الله عز وجل العظيمة التي لا تقدر بثمن، لكن ما نراه اليوم خلاف ذلك، هي اتفاقيات، وعقود، وصفقات مبرمة كباقي الأنشطة التجارية، هم ينظرون للربح ولا ينظرون إلى المقاييس الأخرى، الدينية، والإنسانية، والأخلاقية، والضوابط الصحية الملزمة.
وتسليطًا للضوء على طبيعة الفكر السائد في مستشفياتنا وشركات التأمين؛ فهناك فجوة كبيرة بين شركات التأمين، وأصحاب القيادات الإدارية بالمستشفيات الخاصة فيما يتعلق بسداد مستحقات العلاج، وهذا يؤثر في جودة الخدمة، وسرعة العلاج المطلوب؛ فيكون هناك نوعان من الخدمات الطبية في المستشفيات الخاصة؛ خدمة " ممتازة " لمن يدفع كاش، وخدمة أخرى " أقل مستوى " للقادم عن طريق شركات التأمين.
فما الذي يحدث في أروقة الانتظار؟ مما يلفت النظر أن الأغلبية الساحقة من المترددين على المستشفيات الخاصة باتت تحس بفداحة ما تلاقيه من مآسي الروتين، وبدأوا يشعرون بعظم الممارسات غير المسؤولة لأي من طرفي النزاع؛ فأي إجراء طبي يحتاجه المريض يلزم من إدارة المستشفى مراجعة شركة التأمين، لأخذ العلم بالموافقة على تقديم العلاج، وليس هنالك ما يبرر انتظار رحمة شركات التأمين، مما قد يتسبب طول الانتظار أو بطء الموافقة في الحالات العاجلة بمضاعفات خطيرة بحق المريض، وبالتالي ينعكس ذلك على صورة المشفى، وجودة خدمته الطبية المقدمة للمؤَمّن، وكذلك من تأثير سلبي على نفسية المريض، أمر يدعو إلى التساؤل عن هذا الإجراء، يكفي الإدلال!.
لا يستطيع المرء أن يغفل أو يتغافل أو ينكر أو يتنكر ما يفعله هؤلاء الساسة؛ فأهمية صحة الإنسان تعتمد على تحسن الخدمة الطبية، والوضع الصحي، وتطور العلاج بعد أن أوكلت الحكومة للجهات المعنية مهام الضمان الصحي.
وتتركز اهتمامات بعض الأطباء في كيفية إكثار فواتير العلاج ! ونحن نتساءل : ما جدوى كل التحاليل، والفحوصات، والأدوية التي يطلبها طبيب المستشفيات الخاصة ؟
ونحن إن شاء الله نحسن الظن بهؤلاء الأطباء، بينما شركات الإقطاع، هم في الواقع يسعون من وراء ذلك لتحقيق ثروات ضخمة من خلال تغيير اتجاه، وقناعات الأطباء، وأنماطهم السلوكية، هم يحولون الصحة وحياة المريض نفع كبير، استهتار يتزايد أكثر فأكثر من أصحاب الضمائر الميتة الذين حولوا الأطباء، وسيلة لجني الأرباح، ومرضى في جيوبهم المال أو وثائق تأمين، وها نحن نرى بعض الأطباء يلتزمون بحماقات هؤلاء الساسة - أهل القوة المادية - بتكليف المريض بأشياء لا يحتاجها، هؤلاء الأطباء الذين يفرطون في الفحوصات المخبرية، ووصف الأدوية لمرضاهم، هم في الواقع صورة غير مشرّفة لهذه المهنة الإنسانية، مثال واضح لهذا الفساد!!
نتوقف هنا أمام النتائج المخيفة لهذا الاستهتار، وما تحمله من عوراض كارثية، واضطرابات صحية، ومضاعفات خطيرة على المريض.
مما يلفت النظر أن الأغلبية الساحقة من المترددين على المستشفيات الخاصة باتت تحس بفداحة ما تلاقي بسبب النظام .. وبدأوا يشعرون بعظم المشكلة، والحقيقة أن المرضى يتأرجحون بين الحياة والموت، والثمن ارتفاع أرقام العجز الصحي، والوفيات بشكل غير طبيعي وخصوصًا من فئة الشباب.
شركات التأمين في النهاية يهمها الربح، والطبيب يهمه في الأخير دخله المادي، وبالتالي دخلنا في قضية طبية تشكل خطورة على حياة المريض.
مستقبل الأمن الصحي في منطقتنا إن استمر يأخذ الصورة الأمريكية الفاشلة؛ فهو تهدد سلامة الناس ومستقبلهم الصحي، ويتحول فيها المريض إلى سلعة، وهذا الأمر مستقبلًا خطير جدًا، ويبدو في أمريكا أنهم يتراجعون عن تلك الصورة، بينما نحن هنا نقبل إليه.
لكن ما الحل إذًا للخروج من هذه التجاوزات المدمرة، أو الحد من أخطارها ومضاعفاتها ؟
موضوع التأمين الصحي يحتاج إلى الكثير من إعادة النظر ..نحن بحاجة إلى مراجعة شاملة، وبدائل صحية أخرى؛ فالموضوع هنا يكاد يتجاوز الطب؛ لأنه مرتبط بالثقافة السوقية، وما تحمله من مخاطر على صحة الإنسان، يبقى الأمر للدولة بفتح طرقًا جديدة تحمي حقوق المرضى حسب المادة 31 من النظام الأساسي للحكم حق المواطن في الحصول على الرعاية الطبية اللازمة حيث نصت على " تعني الدولة بالصحة العامة، وتوفير الرعاية الصحية لكل مواطن " أو أن يعطى لكل إنسان الحق أن يتعالج في أي مستشفى على مستوى واحد على نفقة الدولة "
- من المفارقات أن الكثير منا - للأسف الشديد - وفي أغلب الأحيان يرتكب عددًا من الأخطاء، نعتقد أن التأمين الصحي يؤمن لنا التغطية الصحية الجيدة، والواقع أن بوليصة التأمين الطبي ليست من مصلحة المريض؛ فقد تشجع الشخص المؤَمّن بزيارة المستشفى بضرورة أو غير ضرورة مما قد يتسبب في الكثير من المشاكل الصحية، وهنا يجب أن يتسم الوعي الصحي في مجتمعنا بخطوة متقدمة، باعتبار وثيقة التأمين ليست كسب مادي وإنما قيمة مضافة.
- يجب تعيين لجان رقابية من المديرية العامة للشؤون الصحية تعمل زيارات مفاجئة للتأكد من الخدمة الطبية المقدمة للمريض بالاطلاع على ملف المريض، وتقييم العلاج دون مبالغة أو تقصير.
- وثمت شيء آخر .. هو إلزام جهة العمل بدفع تعويض طبي ثابت للموظف، ويكون هو مسؤولًا عن علاج نفسه، نجد أن العقد به بدل سكن، بدل مواصلات، بدل غذاء، وليكن به بدل علاج، ومن حق المريض أن يعالج نفسه وأفراد أسرته بأي مستشفى يرتاح له.
كانت الأمور بسيطة فيما مضى، وكان الطبيب يملك مصداقية، يؤدي كافة الحقوق الإنسانية، والشرعية، والآداب المهنية، كما يدعم مريضه، ويعطيه الثقة ويرفع معنوياته، ويجعله في مستوى التحدي ومواجهة الأخطار؛ فمن دون الثقة لا يوجد علاج، ما نلحظه على الكثير من المرضى عند مراجعتهم المشافي، يتفاعل الخوف، والحذر لديهم، بما يعانونه من آلام أمسكت بخناقهم، لا تبدو مقنعة وفي أذهانهم صورة قاتمة ومسبقة عن فشل العلاج، هذه الحالة تثير همًّا وقلقًا دائمين، هم أبدوا تشككهم في صدق معايير العلاج، وأيضًا تشككهم في المهنية، لعدم تحقيق الفائدة المرجوة، وكذلك التأثيرات السلبية داخل أجسامهم، وأدركوا مدى خطورة فساد العلاج، وأصبحوا أكثر اطمئنانًا إلى الطبيعة؛ فتوجهوا صوب عالم النباتات، والعلاج الطبيعي اعتقادًا منهم أن الأعشاب، والنباتات الطبيعية لا تحمل مخاطر الأدوية المصنعة في المختبرات، وعندها عرفوا أهمية العودة إلى الطبيعة.
نحن بحاجة إلى الطبيب بدلًا من الأدوية الموصوفة منه، الطبيب الذي يتزود بالأسلحة في حربه ضد المرض، الطبيب الذي يتفانى في خدمة هذه المهنة، الطبيب الذي يقينا من الأمراض، ويجعلنا نعبر رحلة الحياة بأقل قدر من العلل، والأمراض بإذن الله سبحانه وتعالى.
وختامًا، إننا اليوم في عصر غدا فيها الصحة، والمرض هاجسًا يطارد الكثير من الناس إن لم يكن معظمهم، ولكن علينا أن نتفهم أن الموت أمر طبيعي من الأمور التي أرادها الله لمخلوقاته، وهذا هو القضاء، والقدر المحتومين في هذه الحياة، ورغم ذلك فإن ما نحصده من وفيات سببه الفكر المادي، لا هَمَّ لشركات التأمين، والمستشفيات الخاصة سوى حصد ما أمكن من الأرباح المادية، ولو على حساب صحة الناس؛ فكل ما يدخل جسم الإنسان من أدوية مشبوهة متخمة بالكيميائيات والمحرمات، وسلوك أطباء باعوا ضمائرهم لجهات تمكنت من تثبيت هيمنتها على هذا القطاع، وما أكثرهم في هذا الزمن الرديء، والنتيجة أن صحة الإنسان أصبحت حقلًا للتجارب والأرباح المادية.. هو عالم يموت فيه الفقير - فاقد الحاجة - على قارعة الطريق بسبب الغدر، والقهر، والخيانة، بينما يعيش أهل القوة المادية، في زمن ماتت به ضمائر العباد!!
منصور الصلبوخ - أخصائي تغذية وملوثات.



