من القديح.. فاضل الجبيلي يحيي «تراثيات» والده في «براحة القطيف»

رائحة الطيبين من الأجداد تجدها قابعة برائحة الخشب الذي كانوا يصنعون منه أغلب أشياءهم في القديح قديمًا، وبمجرد أن تخطو قدمك لمشاهدة هذه الأعمال الشاهدة على أصالة تراث الأجداد، تجد مشاعرك الإنسانية الخالصة تعانق ذكريات الماضي الجميل.
تخليدًا لذكرى والده المتوفى، قرر الحِرفي في التراثيات، فاضل عبد الله الجبيلي، والذي يعمل بإحدى الشركات كفني تكييف، المحافظة على هذا المقتنيات دون إضافات؛ ليحيي بها تراث أبيه، ليراه أبناء اليوم والجيل الجديد، ويشاهدوا التراثيات المختلفة من الأبواب، والنوافذ، والصناديق، والحب، والزير، وغيرها بما تحوي من طرز قديمة.
ونجحت تراثياته التي عرضها في زاوية، رآها بعيدة عن مرأى الزائرين على حد وصفه، في جذب زوار مهرجان "البراحة 3" الخارجين من البيت القطيفي.
وفي لقائه بـ «القطيف اليوم» سرد "الجبيلي" رواية تراثه ورائحته التي تعبق بطيب ذكريات الأباء والأجداد.
أعمال متعددة
قد تخوض بك الحياة عدة تجارب تجعلك تقرر قرارك الأخير الذي يميل له قلبك، وهذا بالفعل ما حدث للجبيلي، الذي ذكر أنه يحاول العمل بكل شيء يحوي الفن لكونه رسامًا، فأول مشروع بدأ به كان عمل كوشات الزواج.
وبدأت فكرة أول مشروعاته عندما طلبت منه شقيقته تصميم كوشة لها منذ أكثر من 20 عامًا، فوق سطح منزلهما حيث كانت أماكن إقامة حفلات الزواج سابقًا، فكانت أول كوشة يصممها في حياته من نصيبها.
ويسترجع "الجبيلي"، ذكرياته قائلًا: "عملت رسامًا بمكتبة العبيدان، ومكتبة أخرى بالقديح، ولكن لقلة الدخل لم أستمر، إضافة لعملي بمهن أخرى، مثل العمل على سيارة مثلجات، وآيس كريم لمدة 13 سنة"، مضيفًا: "عندما أصبحت الحالة تحتاج دخلًا ماديًا فكرت بمشروع الكوشات، واشتركت فيه مع أحد الإخوان حيث كان فنانًا واستمررتُ لمدة 10 سنوات فقط" بعدها وجد فاضل ضالته في الاهتمام بالتراثيات.
تحويل الرسم لواقع
كانت محبته للأشياء القديمة تلهمه رسمها؛ فكان يرسم قلعة تاروت، ويرسم الأبواب، والنوافذ القديمة إلى أن طرأ بذهنه تساؤل، لماذا لا أحول الرسم على الورق إلى واقع؟
ويذكر الجبيلي أنه بدأ العمل بمزرعته للتسلية، ولم تكن نيته في الأساس إنشاء هذا المشروع لكنه كان يسترجع به ذكرياته مع والده المتوفي الذي تعلق به كثيرًا، وتألم لفقدانه، وعندما رأى أحدهم أعماله أشاد بها، وشجعه على الدخول إلى هذا المجال، لتبدأ الفكرة في رأسه، وتقرر يده الإمساك بمنشاره، وتنفيذها، حتى أصبح عمرها اليوم سبع سنوات.
تراثيات دون تغيير
قد يجد الكثير أن بعض الإضافات على الأشياء القديمة يمزج بين الحاضر، والماضي، ولكن الجبيلي يجد أن ذلك فيه تغيير للتراث؛ لهذا فهو يعمل التراثيات كما هي بالسابق بالضبط ولا يعمل غيرها.
ونوه أنه ربما يكون أكثر حرفي يعمل في التراثيات، معقبًا "أعمل في الأبواب القديمة، والنوافذ، أو الدرايش، والربابة، والحباب، والزير، أو الشربات، والصناديق الكبيرة المبيتة، والصناديق العادية، والقواري، والربابة والأسلحة"، وكانت آخر أعماله هو بيت قديم اتضح فيه بعض الأخطاء سيعمل على تفاديها مستقبلًا؛ ليكون البيت طبق الأصل من البيوت الحقيقية.
وأشار لحبه للأسلحة القديمة؛ فهو لا ينظر للأسلحة الجديدة لهذا صنع منها بالخشب الشزون والساكتون، والبندقية البدوية، والتي غالبًا تستخدم بالمسلسلات البدوية وصنع أيضًا المقمع الذي يعتبر أصعب سلاح بالتصميم والصناعة.
خشب ذو عروق
حين تعمل عملًا تحبه يغدو كالصديق المرافق لك؛ فهو يجلب لك المتعة، والراحة، وهذا بالفعل ما وجده "الجبيلي" بعمله بالتراثيات حيث يصفه بأنه عمل ممتع، ويريح القلب، حتى أنه في اختياره لأنواع الأخشاب التي يشكل منها أعماله، يحب العمل بالخشب الأبيض المعروف بالخشب السويدي لما فيه من مميزات، مثل؛ سهولة تنظيفه جيدًا، وصباغته، وتلوين عروقه، معلقًا "كأنه قد دبت فيه الحياة ببروز عروقه".
مشاركته في عدة مهرجانات
ذكر أنه شارك بعدة مهرجانات إضافة لمشاركته الحالية بمهرجان "البراحة3"، مثل مهرجان المشاري، ومهرجان "البراحة 2"، ومهرجان تابع للبلدية بالمجيدية، متوجهًا بالشكر للبلدية التي تكفلت بنقل أغراضه يومها لعدم توفر سيارة لديه.
كما أكد أن الرزق إذا أتى فهو يأتي دون سؤال، معلقًا "أول زبون ابتاع له جاء من الأحساء، وثاني زبون بعد شهر من الأول، وكان من البحرين".
وراثة تراث
ويذكر الجبيلي أن عدوى حب الرسم أو المطرقة منتشرة بمنزلهم، حتى أن نجله علي ذو الثلاث سنوات، أصبحت المطرقة محبوبته، ويبكي من أجلها ولا يرضى إلا بمطرقة حقيقية، أما ولدَيه عباس وعبد الله؛ فيجد فيهما الرغبة للعمل معه، ومساعدته خاصة في قص الأخشاب بالمنشار، والعمل عليها.
وأشار إلى أن البيئة تجعل الأطفال يميلون أكثر للتراث، مستطردًا: "هناك من وصل لعمر 25 أو 30 وهو يتساءل ما هذا الشيء، هل هو باب أم نافذة أو يشير له على إنه نافذة، وهو باب أو العكس؛ لأنه لم يتعود على رؤية التراث، فلا يعرف البعض ما هو الحِب والشربة مثلًا والتي يفترض أن يعرفها أي أحد".
ولعل نشأته في بيئة النخيل، ومن بعده أولاده وأولاد أشقائه ساهم في معرفتهم للألعاب التراثية، مثل"الخطة والطنقور"، ويقول: أولادي عاشوا بالنخيل، ويعرفون كل الأشياء التراثية، وحين يرونني أعمل شيئًا تراثيًا يعجبهم يحبون صنعه".
وفي ختام حديثه، وجه "الجبيلي" الذي بدأ في العقد الخامس من عمره، كلمة لجيل الشباب، ناصحًا إياهم بلهجته القديحية: "ما دام الواحد عنده صحة وقلب ينبض وفيه إرادة فالعمر لا يعطي معنى، ما فائدة شباب وصغير ودائمًا نائم ومتعور جسمه من النوم ومرافق لجواله؟"، وأردف إنه لا يهوى الجلوس الطويل أمام الهاتف الجوال؛ فهو يهوى الذهاب لمزرعته ليتأمل فيها لعل فكرة تأتي لرأسه، ويعمل منها شيئًا مفيدًا.
















