أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

هل أنت مسموم؟

فاطمة البدن · القطيف اليومالثلاثاء 19 أبريل 2022، 9:51 م
هل أنت مسموم؟

مأكولات كثيرة قد نتناولها ونحشو بها أجسادنا فيك لكنها تدخل فيه بهيئة سُم تسعى أعضاؤنا لسرعة التخلص من هذا السم بتفكيكه وتعطيل مفعوله وإخراجه بأقل الخسائر خاصة بفترة الصيام، لكن تعوّد تناول مثل هذه السموم يوميًا يثقل كاهل الجسد الذي قد يُنهك دون تقدير لجهوده الجبارة بحماية صاحبه دون أن يشعر، إلى أن يعلن تشغيل إنذاراته الأولى ويطلق صفارة خطر لسقوط أول الضحايا ومرض أحد الأعضاء ونقص مداده.
على طريق السعادة إذا كان هناك من يسمع تلك الصفارة بوعي ويوقف اجتياح تلك السموم لجسده الذي بات يطلق صرخات استغاثة ويرفع إشارات "قف" وينتظر فرق الإغاثة التي تسعفه من فيض سمومه، وتُشعر صاحبه بخطورة الوضع ببدايته حتى لا يتفاقم.
ولكن على النقيض وعلى طريق الشقاء إذا كنا نعاني الصمم عن كل نداء استغاثة يطلقه جسمنا ويستدعي التدخل المبكر ونُسكت فمه بمسكن مؤقت لا نبرح أن نكون من ضمن المدمنين على تسكين صوته وتقصير مدى صداه فيصبح صوته مشوشًا وغير واضح، حين نرغمه على التعود وتناول كل سم دون أن ينبس ببنت شفة ليدافع عن نفسه.
سيناريو الأكل المسموم ليس مختصًا فقط بنطاق الجسد المادي بل يمتد للروح المرتبطة به، نعم بعض السموم لها تأثير مزدوج على الروح والجسد إضافة إلى العقل مثل الخمر والمخدرات فهي تدخلهم بدوامه تحتاج حربًا وجهادًا للتخلص منها إذا وصلت لمرحلة الإدمان والتعود الطويل.
لكن بعيدًا عنها حديثي عن تلك السموم التي لا نتناولها برغبتنا بل يطعمنا إياها غيرنا ولكن ربما نكون في بعضها طرفًا وسببًا في وصولها لنا وتسممنا فيها لأننا من صنعنا بذرتها.
الكلام المسموم الذي يأخذ منحى الإهانة والجرح والسخرية وعدم الاحترام والتقدير كلها أمثلة تصيب قلب الروح بالعلة والمرض مثل تأثير السم الذي يستلزم قذفه سريعًا لأن وجوده أوهن الروح وأسقمها.
نحن لا نعلم كيف تسري الكلمة المسمومة بالروح، هي تدخل لتفكك ترابط تلك الروح فيدب فيها الموت البطيء، لكن هناك من يكون التأثير فيهم سريعًا فينتقل عبر إمدادات الجسد ويظهر بصورة جلطة أو سكته وموت مفاجئ -لا سمح الله.
فمن تسممت روحه يعلن الاعتزال عن طبيعته التي تأنس بالناس ويختار بُعدهم وتَفسد أيامه ويفقد لوحة التمتع معهم ويرى لوحة معتمة لا ترى الجمال من حولها، وينتابه ردة فعل متحسسة تأبى الخوض بمواقف شبيهة تعرضه لتلقي الكلام المسموم.
قلت لك سلفًا إنه قد يكون الفرد نفسه هو من زرع البذرة ليحصد ثمار السموم ويجسد معنى من زرع حصد، وكما تدين تُدان، فالأكل المسموم من الكلام الذي نطلقه على أحدهم كسخرية وإهانة واحتقار وتجريح لا ينتهي مساره ويتوقف لدى من أطعمناه هذا الطعام المسموم لأنه يستحيل أن يتوقف عنده ولا تعود بقاياه وإن طال الزمن على صاحبه خاصة إذا كان ظالمًا لتُعلمه مذاق الكلام المسموم كيف يكون.
أحيانًا قد يتدخل أحدهم بشؤون غيره ويُزعجهم بتدخله في أمورهم الخاصة خاصة إذا لم يكن بتلك القرابة التي تخوّله للتدخل، فهنا لا يأمن حصوله على الكلام المسموم لأنه لم يع بعد "من تدخل في ما لا يعنيه لقي ما لا يرضيه".
لكن علينا أن نفرق بين التدخل في الأمور الخاصة من دون باب وبين من يكون دخوله من باب المحبة لبني جنسه وحنانه عليهم حتى لو كانوا ليسوا من ذوي قرابة أو صحبة لكن الولاية والتوحيد يجمعه معهم حين يراهم يسلكون طريقًا مائلًا ليطعمهم أكلًا حنونًا يحوي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأسلوب جاذب ومحبب.
وإن أتيت للواقع للأسف نحن أقرب لإطعام الكلام المسموم وزرع العلة بالأرواح وأبعد عن الكلام المعسول وزرع الأنس والسعادة بالقلوب والأرواح، نحن بالقرب من كل مشكلة تحصل عبر محيطنا ونكون بمرتبة الشرف بإشعال شرارتها وتأجيجها كلما هدأت أو الاكتفاء بالتفرج السعيد بحصولها، ألا ترى كثرة المتفرجين الذين يسعدون بالتصوير دون تحريك ساكن حين تحصل هناك مشاجرة بين اثنين، ونحن أضعف ما يكون ببذل الكلام الطيب الذي يدخل لقلب وروح ذاك الذي بذل وأعطى من روحه ووقته وجهده لمجتمعه وأهداهم إنجازه الباهر، فهنا الكلام في شكره وتقديره يعلن بؤس الفقر والعازة.
شيء موسف حين ترى صنيعًا إيجابيًا لأحدهم لترى بالتعليقات التي تأتيه أن هناك من يقلل من جهده ويسخر منه، وتستغرب من بعضهم الذي إذا لم يلق شيئًا يستهزأ منه أو يعلق عليه فتراه يعلق على الشخص نفسه ولبسه وشكله، أنا لا أنفي وجود أناس كلامهم مثل البلسم الشافي الذي يمثل العلاج السريع للكلام المسموم، لكن هم يمثلون الفئة القليلة التي علينا تحفيزها لتعمل دروسًا في فن الكلام الطيب ليكون عادة نتناولها ونطعمها غيرنا يوميًا.
كلنا يعلم أن "الكلمة الطيبة صدقة" لكننا لا نحسن التصدق الصادق لأننا لا نعلم كم نشافي من مريض اعتل من كلام مسموم من غيرنا ووصل بروحه لمراحل خطيرة قد يخسر معها حياته، ولا نضع بأذهاننا كلام الرب الرحيم حين قال لنا: (أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) فكم نقتل بكلماتنا وكم نحي بها؟
إذا تعرضنا للسم أو تعرض أحد من حولنا له فإن خير دواء له هو ما دلنا عليه رسول الله (ص) بقوله: "الصدقة تدفع البلاء المبرم، فداووا مرضاكم بالصدقة".
وبأي شيء تكون الصدقة يا رسول الله؟ "تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك صدقة".
تمرة إفطاري اليوم فيك هي من يد الطبيب الدوار بطبه رسول الله محمد (ص) الذي أرجو أن يتصدق علينا بصدقة تُشفينا من السموم التي ما زلنا نثقل بها كواهل أجسادنا وعقولنا وأرواحنا ولا نتخلص منها.