ما أعرف أقرأ؟!

في أيامك الأخيرة وليالي وصالك التي باتت في نفسها الأخير يقيم البعض مشكورًا مجالس الذكر في بيوتهم ومآتمهم ويتضمن البرنامج تلاوة للقرآن وقراءة دعاء أقلها إذا لم يكن يحوي مجلسًا حسينيًا أو محاضرة تثقيفية بالإضافة له.
البعض بقراءة القرآن يجلب له قارئًا متمكّنًا يجيد ترتيله وتجويده ليتابع الحضور معه ليصححوا معه أخطاءهم، والبعض حسب إمكاناته يقرأ هو وقد يُشرك من يحضر لديه لقراءته، وقد يطرق سمعنا هذه الجملة حين يُمد القرآن لأحدهم ليقرأ فيجيب بقوله: ما أعرف أقرأ!
نعم جميل الاعتراف بعدم المعرفة والخوف من الخطأ بكلام الله، وقد يخشى البعض من تعليق الناس على القراءة إذا انتابها بعض الأخطاء وقد يكون واجه تجربة مسبقة فأبى إعادتها من جديد.
لكن إلى متى من سنين عمره سيجيب نفس الجواب بأنه لا يعرف قراءة القرآن، وحتى وأنا أكتب العبارة أظنها شيئًا خاطئًا لا نقبله على أحد متعلم وصل لدرجات عالية من مراتب العلم لكن للأسف هو يعرف القراءة بعدة لغات أجنبية لكن لا يعرف القراءة بلغته الأم ليقرأ القرآن بصورة صحيحة!
هل تجويد القرآن لهذه الدرجة صعب المنال؟!
لماذا الأطفال الصغار يستطيعون حفظ أجزاء من القرآن بصورة مرتلة ومجوّدة ونحن لا نستطيع قراءته بالأساس فكيف بحفظه؟!
المسألة بالطبع ليست مسألة استطاعة فالبطبع نستطيع لكن بشرط أن نكون نريد ذلك حقًا ونرغبه رغبة حقيقية، فلا يهم العمر ولا يهم الوقت، فالشخص إذا أراد شيئًا فعلًا فهو سيسعى له وسيجد له وقتًا بالتأكيد، وكما استطاع آخرون وهم بعمر كبير حيث تعلموه وحفظوه مرتّلًا وجعلوه من الأولويات؛ فنحن نستطيع جعله أولوية في التعلم.
شيء مخجل أن يصل الفرد لعمر الخمسين مثلًا وهو لا يزال يعجز عن قراءة الضمة والكسرة والفتح والسكون وإعطاء الحرف حقه بالقرآن حال القراءة.
ربما لو كان أُمّيًا فالأمر يهون فلا حول ولا قوة، رغم أنه حتى الأمّيين أول رغبة تجدها لديهم هي تعلم القراءة ليستطيعوا قراءة القرآن، أما من يعرف القراءة للأسف فالقرآن آخر اهتماماته.
الإمام الصادق (ع) يقول: "ينبغي للمؤمن ألا يموت حتى يتعلم القرآن أو أن يكون في تعلمه".
وهناك وصفة يضعها لنا الرسول الأعظم (ص) فحري بنا حفظها وهي أهم بالطبع من مئات الوصفات التي نحفظها لإعداد طبخة في أيامك، فيقول (ص): "إن أردتم عيش السعداء وموت الشهداء، والنجاة يوم الحسرة، والظل يوم الحرور، والهدى يوم الضلالة، فادرسوا القرآن، فإنه كلام الرحمان، وحرز من الشيطان ورجحان في الميزان".
ووصفة أخرى من أقوال الإمام علي (ع): "وتعلموا القرآن فإنه أحسن الحديث، وتفقهوا فيه فإنه ربيع القلوب واستشفوا بنوره فإنه شفاء الصدور، وأحسنوا تلاوته فإنه أنفع القصص".
وهناك رواية لطيفة منه تناسب زمن اللقاحات الذي نعيشه ونأخذها فحري أن نأخذ اللقاح حيث يقول (ع): "لقاح الإيمان تلاوة القرآن".
ولا ننسَ وصاياه وهو على فراش الشهادة حين قال لنا: "الله الله في القرآن، لا يسبقكم بالعمل به غيركم" واعذرنا أبي يا علي إن لم ننفذ وصيتك فلقد سبقنا بالعمل به غيرنا.
قد يظن البعض أن الحديث عن القرآن جاء متأخرًا حين أتحدث عن القرآن بآخر أيامك وكان الأفضل في بداية الأيام لأنك شهر القرآن، ولكن شاء الإلهام أن يكون بالنهاية حتى لا يكون موسمًا مؤقتًا لتلاوة القرآن والتزود منه ثم نبدأ رحلة هجرانه من جديد من أول أيام عيد الفطر، وتبدأ رحلة تجميع الغبار عليه.
أعجبتني عبارة كانت تقول: "لو أنفقت على أولادك كنوز الدنيا سيفرون منك يوم القيامة، لكن لو علمتهم القرآن سيبحثون عنك ليلبسوك تاج الوقار".
وبالطبع حين نعلّم أولادنا فنحن نتعلم معهم ولأجلهم، وسيكونون هم الكنز المذخور لنا والذي ندّخره ليكون هناك من يتلو لنا آيات القرآن وكلام الله بصوت جميل وبصورة صحيحة نستأنس به في قبورنا غدًا.
قد يصدّق البعض الكثير من المنشورات الواتسابية التي تدعوه للنشر لأكبر عدد لتُقضى حاجته وإمامنا الحسن يهدينا إياها ولا أعلم من ذا سينشرها له حين قال لنا: "من قرأ القرآن كانت له دعوة مجابة، إمّا معجّلة وإمّا مؤجّلة".
وبنهاية أيامك وطلبنا لتكفير ذنوبنا وسترنا وحصولنا على الأمان فيك، رسول الله (ص) يعلّمنا السبيل لذلك حال تعليمه لسلمان وقوله له: "يا سلمان عليك بقراءة القرآن فإن قراءته كفارة للذنوب وستر من النار وأمان من العذاب ويكتب لمن يقرأه بكل آية ثواب مائة شهيد ويعطى بكل سورة ثواب نبي ينزل على صاحبه الرحمة".
يعني حتى لو انتهت عروضك بتصرم أيامك، فحين يأتي شهر شوال صحيح أنه لن يكون هناك عرض من تلا فيه آية كان له من الأجر كمن ختم القرآن في غيره من الشهور، لكن لا تزال عروض القرآن قائمة طوال العام كما ذكر رسول الله (ص).
ربما نكون بعيدين عن القرآن لأننا لم نعطه فرصة للقرب منه وعقد علاقة روحية معه؛ ليكون المؤنس والأمان الذي لا نمشي من دونه، به يحادثنا الله بصوت حكمته ولطفه وبه نحادثه بفقرنا وحاجتنا إليه، به يهدينا أوامره التي هي خُصصت لصلاحنا، ويبعدنا عن نواهيه لخوفه علينا من مواطن الهلاك بالبعد عنه حين عملها، وبه نعترف له بتقصيرنا عن شكر نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى.
القرآن آيات من الجمال التي نزلت لنا في ليالي قداستك وقدرك، فهل ننحرم بأيامك من مس جمالياته طوال العام من بعدك؟
بيومك التاسع والعشرين يا شهر الله وما قبل الأخير من أنفاسك، تمرة إفطاري فيه خصصتها باسم عبدالله الرضيع (ع) الذي أخجل أمامه أن أقول أمام الملأ "ما أعرف أقرأ قرآنًا" وهو وبستة شهوره من رتّل القرآن بنحره المذبوح واختار نصر القرآن الناطق بصرخته، فمنه أطلب أن يعلمني كيف أقرأه وأحفظه وأطبّقه لأخبر العالم أني خريجة من يد رضيع الحسين (ع) في قراءة القرآن الكريم وترتيله بصوته الجميل.



