سيرة طالب (١١)

في عدد من الحلقات الماضية من هذه السلسلة، عشتَ معنا - عزيزي القارئ - أحداث رحلة شاقة جدًّا رافقت عودتنا إلى الوطن العزيز من العراق مرورًا بالأردن ثم إلى المملكة عبر منفذ الحديثة، إثر أحداث غزو الكويت. استقرّ بي الحال في البلد بعدما أمضيت أول سنة من مشوار طلب العلم في النجف، حيث كان الوالد رحمه الله يساعدني مادياً ولم تكن تصلني المساعدات من الحقوق الشرعية؛ لكوني صغير السّن وفي بداية طلبي للعلم.
ولما كان الوالد قد تقاعد للتوِّ من شركة أرامكو وقد حصل على حقوق نهاية الخدمة التي تصل إلى مليون ريال تقريبًا، أخبرني أنّه سيذهب لأحد شيوخ البلد لأداء فريضة الخمس، مبلغ (مئتي ألف ريال تقريبًا)، وكان على يقين أنه سيساعدني بشهرية تسمّى راتباً.
ولما أن أدّى الوالد رحمه الله الحقوق الشرعية عرّف الشيخ بكوني طالب علم وأستحقّ الشّهرية.
وبعد فترة سألني الوالد عمّا إذا كان قد وصلتني الشهرية من الشيخ الذي دفع عنده الحقّ الشرعي، فأخبرته بعدم وصول أيّ مبلغ، فتبرّم الوالد، وتأسّف بإعطاء الشيخ الحقوق الشرعية لمثل ذلك الشيخ الذي لم يكن عند حسن الظنّ في مساعدة أمثاله من الطلبة المحتاجين.
عُدنا "بخفّي حُنين"
وتمرّ السّنوات ونذهب لنفس الشيخ المذكور ونحن ثلاثة من طلبة العلم، حيث نقلنا له سوء الأحوال المادية لبعض الطلبة، وضيق وضعهم الاقتصادي؛ لعلّ وعسى يسخو بما تسخو الحياة به، ولا ينتحر بالتمسّك بقيود الحرص التي تجعل الإنسان موضع سخط ونقمة من أقرب المقرّبين إليه ومن مجتمعه أيضاً، ناهيك عمّا وُصف به من نعوت في نصوص التراث الديني وفي كلمات الحكماء والفلاسفة، نعوت تشمئزّ نفس الإنسان منها، فيحاول أن ينتصر على أهواء نفسه، ويرتقي بها إلى مراتب الجود والسّخاء كلّما كان في وسعه ذلك.
أجابنا ذلك الشيخ بجواب لم نكن نتوقعه منه، إذ قال ما مفاده:
أنّه وأمثاله من الطلبة قد أنهكهم الفقر في بداية طلبهم العلم، فكما كانوا في شظف من العيش، كذلك نحن أبناء هذا الجيل لا بُدّ أن نذوق من نفس الكأس، فنعاني من ضيق الحال وضعف المادة، وهذا ما يجب أن يقاسيه طالب العلم حتى يكون طالب علم بحقٍّ، فالعيش في سعة ورفاهية حلال على كلّ الناس، حرام على طلبة العلم، بحسب ما يراه هو ومن يدور في فلكه.
العاقل من اتّعظ بغيره!
لعلّ فيما سردناه في هذه الحلقة عبرة وعظة لكلّ الناس الذين هم في موقع مسؤولية الإنفاق على غيرهم، ابتداءً من ربّ الأسرة تجاه أفراد عائلته، وانتهاءً بمن هم مسؤولون عن دائرة أوسع وأشمل، فلم توجد الأموال لتُجمعَ وتنموَ أرقاماً في أرصدة البنوك، والحاجة ماسّة إليها لتوفير حياة كريمة ينعم بها جامعها ومن هم حوله من المحتاجين.
وهكذا نرى أنّ طلبة العلوم الوكلاء ينقسمون لمراتب، فمنهم السّخي والنَّشِط في وجوه الخير، ومنهم المنغلق الممسك عن المساعدة الفاعلة في المجتمع، وشتّان بين مشاعر وسعادة واستقرار حياة الاثنين!
أبعدنا الله وإيّاكم عن كلّ ما يؤدّي بالإنسان إلى الاتصاف بكلّ رذيلة تحطّ من قيمته العليا التي أرادها الله له وكرّمه بها.



