الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

العقوق.. أسبابٌ وعلاج

السيد موسى الخضراوي · القطيف اليومالأحد 8 مايو 2022، 11:28 ص
العقوق.. أسبابٌ وعلاج

يشكل العقوق بالوالدين هاجسًا كبيرًا لدى الكثير من الناس وخاصة في ظل ازدياده هذه الأيام. هاجسٌ طالما حيّر الكثيرين حتى شرّقوا وغرّبوا في تفسيرهم للأسباب.
تناول الكثيرون هذا الموضوع وكل منهم وضع ما يراه مناسبًا من حيث هو؛ ونحن بدورنا نكتب ما نعتقد غير أن ذلك كله لا يعني ادعاء الصحة مطلقًا، وإنما هي وجهة نظر قابلة للصواب والخطأ والاشتباه.
سأحاول تسليط الضوء في هذا المقال على الأسباب العامة والمشتركة من خلال قراءتي للواقع بموضوعية ما أمكن، وأما الأسباب الخاصة بكل حالة فذاك أمر يشق حصره لاختلاف الأشخاص والعلل والظروف واختلاف الأجيال والمجتمعات.
السبب الأول: يعود للوالدين نفسهما (برّوا آباءكم تبركم أبناؤكم). جل الآباء والأمهات يدّعون البر بالوالدين لكن الواقع لا يشهد بذلك إلا على نسبة معينة منهم تقل وتكثر. حين يجد الأبناء والديهم بارين بوالديهما يقتفون آثارهم تلقائيًا.
السبب الثاني: حسن التربية يلعب دورًا محوريًا في هداية الذرية؛ لأن الأبناء الذين يبصرون الحياة ويرون الوالدين نموذجًا للخلق الحسن والتدين الصحيح؛ ينشأون في بيئة مستقرة يترتب عليها سلام داخلي يؤدي بدورة لحسن التربية ومنها البر بالوالدين.
الأبناء الذين يتربون على الفضيلة ومعرفة الحدود يختلفون عن الذين يتربون على نقيض ذلك. حين يفقد الأبناء القدوة يفقدون البوصلة في الحياة تلقائيًا. كلما كان الوالدان سفراء للاستقامة والهدى اقتدت بهما ذريتهما.
السبب الثالث: سوء المعاملة؛ بعض الآباء أو الأمهات يسرفون في قسوتهم على أولادهم فيهدمون كل القيم والفضائل التي فطرهم الله عليها وهم لا يشعرون. نحن بلا شك مع المتابعة الحثيثة والتوجه جالتام والدور الرقابي المقنن ولكننا في الوقت نفسه لسنا مع الآباء المسرفين في التعاطي مع الأخطاء بحيث يبالغون في العقاب لأتفه الأسباب، ويمارسون الديكتاتورية والتسلط المقيت؛ فيهلكون الحرث والنسل. كلما كان الوالدان رحيمين بأبنائهما استقطبوهم وملكوا مشاعرهم.
السبب الرابع: أكل الحرام من الأسباب الرئيسة لانحراف الذرية وهو نوعان: الأول؛ أخذ أموال الناس بالباطل والتدليس والخداع، أو بالتعدي على الحقوق وسرقتها، أو بعدم ردها لأهلها. والثاني: عن طريق تناول الطعام المحرم الذي يلعب دورًا كبيرًا وخطيرًا في تكوين الجنين. كلما تجنّب الوالدان الحرام كلما أبعدا أبناءهما عن العقوق والانحراف.
السبب الخامس: كثرة الخلافات الزوجية سبب رئيس لانحراف الأولاد وعقوقهم، أو تعرضهم للأمراض النفسية وضياع المستقبل. كلما أبعد الوالدان خلافاتهما عن أبنائهما كلما استقرت نفوسهم واستقامت.
السبب السادس: الحداثة المفرطة التي يمارسها البعض ممن يميلون للثقافة الغربية مطلقًا؛ بحيث يتم تنشئة الذرية على أن الإسلام الحقيقي يتمثل في الغرب وثقافته وأن المسلمين بلا إسلام. هنا يتشبث الأولاد بالأفكار غير الإسلامية ويؤمنون بالحرية غير المحدودة التي تفسد دينهم ودنياهم. نحن نؤمن بالتجديد والتغيير والانفتاح ولكن ضمن الحدود الشرعية والأخلاقية التي لا تتجاوز الخطوط الحمراء.
السبب السابع: إهمال القراءة في الكتب المفيدة كالقرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وروايات أهل بيته عليهم السلام ونهج البلاغة لأمير المؤمنين وكتب الأخلاق والتربية الفاضلة. إن الثقافة حديثًا هي السلوك أو تعديل السلوك ولن يكون ذلك إلا من خلال زيادة القراءات والعلوم والمعارف.
السبب الثامن: الرفقاء لهم دور بارز في سلوك الأولاد؛ لذلك ينبغي اختيارهم بعناية ودقة.
السبب التاسع: الدلال المفرط عامل رئيس في خلق جيل هش الثقافة وهش التدين وهش التفكير. جيل يفتقد لعوامل الثقة وعوامل التفكير الإبداعي وقد يفقد نفسه. نحن مع الدلال المربي الموجة البعيد عن الإفراط.
السبب العاشر: الطلاق؛ وهو من أخطر العوامل المسببة للانحراف وهدم الأسر والمجتمعات رأسًا على عقب. كلما استقرت الأسرة استقامت واستقام أبناؤها.
السبب الحادي عشر: الزواج المتعدّد غير المبرر وغير المدروس يورث نوعًا من الحساسية في النفوس عند الأبناء وغيرةً قد تفسد كل جماليات التربية، وخاصة عندما يكون الآباء غير منصفين بين الزوجات.
التعدد تحت المبررات مشروع وحسن في ذاته إلا أنه خلاف ذلك إن فقد المبرر المنطقي أو الديني وترتب عليه ضرر بالأسرة وهدم لكيانها وإفساد لنفوس الأبناء.
السبب الثاني عشر: ضعف الوازع الديني؛ فالأبناء الذين ينشأون منذ نعومة أظفارهم بين المساجد ومحاريب الصلاة وعتبات آل محمد ومنابر الحسين يختلفون عن الذين يتسكعون في المقاهي ويتهادون الأغنيات ويمارسون ثقافة الانفتاح المشرعة بلا قيود أو حدود. كلما ربط الوالدان أبناءهما بالله ورسوله والدين كلما اطمأنّا لخطاهم المستقبلية.
السبب الثالث عشر: التعليم؛ لا شك أن التعليم يلعب دورًا محوريًا في فتح آفاق التفكير لدى الأبناء كما يلعب دورًا كبيرًا في ثقافاتهم وسلوكياتهم ويسهل عليهم التمييز بين الحسن والقبيح ويوضح لهم الاختيارات المناسبة؛ غير أن حصيلة الأولاد غير البارين من المتعلمين لا يستهان بها وإن قلّت نسبيًا عن الشريحة غير المتعلمة.
السبب الرابع عشر: الفقر وضعف الحال؛ هذا العامل يفسد المزاج ويرفع عامل الاندفاعية والعصبية الذي يلقي ظلاله على التعامل مع الوالدين. كلما سعينا لتحسين الأوضاع المعيشية كلما سددنا على الشيطان أبوابه.
السبب الخامس عشر: انحراف الوالدين أو أحدهما؛ لاشك أن الرحم الطاهر يختلف عن الرحم المُدَنّس، كما أن الشجرة الطيبة نباتها طيب والشجرة الخبيثة نباتها خبيث.
لا تطلب من أبنائك الهداية والاستقامة إلا إذا كنت قدوة عملية لهم في ذلك.
السبب السادس عشر: التمييز العلني بين الأولاد يلعب دورًا محوريًا في تأجيج فتيل الغيرة بينهم ولو كان عفو الخاطر. اعدلوا في المعاملة ما أمكن تجنبًا لسوء الأثر.
السبب السابع عشر: الفراغ العاطفي؛ حين تفقد الأسرة الحنان المتدفق من الوالدين أو من أحدهما يتولد فراغ عاطفي يستطيع الشيطان استغلاله بالطريقة التي يشاء. حين تغيب الحوارات الأسرية والمرونة واللمسات الحنونة تقسو قلوب الأبناء من حيث تدري ومن حيث لا تدري. كلما تدفقت المشاعر الجميلة والأحاسيس النابضة على الأسرة كلما استقرت وزان مقامها وعملها.
السبب الثامن عشر: التدخين؛ وهو سبب قد أكون مستقلًا به عن غيري من الكتّاب، سببٌ ينطبق على شريحة بنبغي تسليط الضوء عليها وعليه. يؤدي التدخين في أغلب الأحوال للإدمان، والإدمان يلقي بظلاله على صاحبه لا إراديًا من خلال العصبية المفرطة والتهور والاندفاع. كثير من المدخنين يفقدون أعصابهم بسرعة البرق وهم لا يشعرون.
بعض المدخنين وقعوا ضحايا لهذا الإدمان الذي أفسد أخلاقهم وعلاقاتهم بوالديهم والمقربين منهم. وعليه؛ جنبوا أولادكم التدخين ما استطعتم إلى ذلك سبيلًا.
السبب التاسع عشر: الجهل بالآثار والعواقب. جل العاقين لم يخلوا بأنفسهم خلوة تأمل، ولم يتوقعوا يومًا العواقب الوخيمة التي ستلحق بهم في المستقبل في الدنيا والآخرة. إن بيان عاقبة العقوق يجنب البعض الوقوع فيها.
السبب العشرون: الزوجة والأولاد.. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ).
وما أكثر الأولاد الذين عقوا والديهم نتيجة هذا السبب المنتشر اليوم انتشار النار في الهشيم. إن حسن اختيار زوجة الابن ضروري في صلاح الذرية؛ الابن وذريته مستقبلًا.
قد تتداخل هذه العوامل المذكورة أعلاه وتشترك في بعض الحالات وقد تكون مستقلة. ولا أحد منا منزّه عن الوقوع في الخطأ، ولكن الانتباه قدر الإمكان والابتعاد عن الكبائر مطلب رئيس للفوز بسعادة الدنيا والآخرة وخاصة الابتعاد عن هرم الكبائر بعد الشرك بالله وهو عقوق الوالدين.
أتمنى أن أكون قدمت شيئًا ولو يسيرًا يساهم في علاج هذه المشكلة ويرسم الابتسامة على محيّا بعض الأسر.