حَاجَةٌ مَاسَّةٌ!

حَالَةُ الزِّئْبَقِيَّةِ هِيَ سَيِّدَةُ الْوَقْفِ فِي أَغْلَبِ مَشَاكِلِنَا فَمَا بَيْنَ الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ نَرَى الْإِدْبَارَ هُوَ الصِّفَةُ السَّائِدَةُ مِمَّا يَعْنِي أَنَّنَا نَظَلُّ عَالِقِينَ فِي تِلْكَ الْمُشْكِلَاتِ حَيْثُ إِنَّنَا نُفَضِّلُ الْهُرُوبَ كَحَلٍّ مُؤَقَّتٍ عَلَى الْمُوَاجَهَةِ بِحُجَّةِ لَا نُرِيدُ وَجَعَ رَأْسٍ وَإِنَّنَا مُسَالِمِون بِالطَّبْعِ هَذِهِ هِيَ أُمُّ الْمَشَاكِلُ الَّتِي تُسَبِّبُ الْكَثِيرَ مِنْ التَّرَاكُمَاتِ.
لَوْ أَنَّنَا نَخِيطُ كُلَّ فَتْقٍ وَشَقَّ أَوَّلَ بِأَوَّلٍ لَمَا اتَّسَعَ الْفَتْقُ وبَانَت عَوْرَاتُنَا وَظَهَرَتْ لِلْمَلَأِ عُيُوبُنَا، فَعَلَاقَتنا نَسِيجٌ نَخِيطُهُ بِسُلُوكِيَّاتِنَا فَالْبَعْضُ يَجْعَلُهُ إحْرَامًا يَقِيهِ مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورَاتِ وَسَاتِرًا عَمَّا خَفِيَ عن الآدميينَ وَالْبَعْضُ يَتَجَرَّدُ مِنْ مَخِيطِهِ فَتَتَكَشَّفُ عُيُوبُهُ أَمَامَ الْأَعْيُنِ، بِالنَّتَجِيَّةِ كُلَّمَا حَاوَلْنَا رُقَعَ الْفَتْقِ انْثَلَمَتْ رُتُوقٌ أُخْرَى.
الْحُلُولُ المؤقتة تَخْدِيرٌ مَوْضِعِيٌّ لِلْمُشْكِلَاتِ تَوَهَّمْنَا بِالتَّشَافِي، أَرَادَ أنْ يَخْتَصِرُ مِشْوَارَهُ الدِّرَاسِيَّ لِيَتَخَطَّى مَرْحَلَةً هِيَ بِمَثَابَةِ خَرَسَانَةٍ تَأْسِيسِيَّةٍ تَرْتَكِزُ عَلَيْهَا قَوَاعِدُ بِنَائِيَّةٌ فِي شَخْصِيَّتِهِ وَمَسَارِهُ الْعِلْمِيِّ وَالْأَكَادِيمِيِّ فَحَرَّرَ لنفسهِ شَهَادَةً لِتِلْكَ الْمَرْحَلَةِ بِطَرِيقَةِ الْقَرْصَنَةِ تُقَدَّمُ لِلْوَظِيفَةِ فِي إِحْدَى الْمُؤَسَّسَاتِ، قُبِلَ فِيهَا وَعَمِلَ بِكُلِّ جَدٍّ وَنَشَاطٍ والْتَحَقَ بِالْعَدِيدِ مِنْ الدَّوْرَاتِ التَّدْرِيبِيَّةِ لِإِتْقَانِ اللُّغَةِ الْإِنْجِلِيزِيَّةِ، وَالْوِرَشِ التَّدْرِيبِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ فِي مَجَالِ الْوَظِيفَةِ مِمَّا أَهَّلَهُ لِلتَفَوُّقَ عَلَى الْكَثِيرِ مِنْ زُمَلَائِهِ فِي مَجَالِ عَمَلِهِ وَنَالَ إعجاب مَرْؤُوسِيهِ نَظَرًا لِمَا يَتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ اللَّبَاقَةِ وَحُسْنِ الْخَلُقِ وَالذَّكَاءِ وَالْفِطْنَةِ، فِي الْمُقَابِلِ هَذَا أَثَارَ حَافِظَةَ بَعْضٍ مِنْ زُمَلَائِهِ ضَعِيفَيْ النُّفُوسِ وَاشْتِعَالِ نَارِ الْغَيْرَةِ وَالْحَسَدِ وَمُحَاوَلَةِ الْحَفْرِ لِلتَّخَلُّصِ مِنْهُ، تَأْتِي الضَّرْبَةُ الْقَاضِيَةُ مِنْ أَقْرَبِ الأصدقاء وَمَوْضِعِ السِّرِّ الَّذِي وَشَى بِهِ وَكَشَفَ ذَاكَ السِّرَّ، لِيَرَى نَفْسَهُ يَتَلَقَّى خِطَابَ فَصْلٍ مِنْ وَظِيفَتِهِ وَهُوَ فِي أَوْجِ تَأَلُّقِهِ وَنَجَاحِهِ، صَفْعَةً قَوِيَّةً لَمْ يَسْتَوْعِبْهَا أدخلته فِي عُزْلَةٍ وَحَالَةٍ مِنْ الِاكْتِئَابِ وَكَأَنَّ الدُّنْيَا أَدَارَتْ وَجْهَهَا عَنْهُ، مُحَاوَلَاتٌ اسْتِجْدَاءُ الْحَيَاةِ لِإِعْطَاهِ فُرْصَةٍ وَطُرُقِ أَبْوَابِ الرِّزْقِ بَاتَتْ غَيْرَ مُجْدِيَةٍ ما انفكت يَدُ الْغَذَرِ تَتَرَبَّصُ بِهِ أينما وَلَّى وَجْهَهُ وَتُحَوَّلُ لَيْلُهُ نَهَارٌ وَنَهَارُهُ لَيْلَ لِايَغَاردر بَابِ بَيْتِهِ، فِي حَالَةِ انْتِظَارٍ لِاتِّصَالٍ مِنْ أَيٍّ مِنْ الشَّرِكَاتِ الَّتِي تقَدَّمُ لِلْعَمَلِ لَدَيْهَا، مَرَّتْ عدة سَنَوَاتٍ وَهُوَ فِي حَالَةِ الِانْتِظَارِ إِلَى أَنْ هَدَأَتْ هِمَّتُهُ وَاسْتَسْلَمَتْ قُوَاهُ وَشَخَصَتْ لِلنَّوْمِ عُيُونُهُ، غُلْطَةُ الشَّاطِرِ بِأَلِفٍ، فَاسْتِغْلَالُ الذَّكَاءِ بِطَرِيقَةٍ بَلْهَاء يُدَمِّرُ صَاحِبَهُ وَيَقْبِرُهُ حَيًّا.
وَمَا أَكْثَرُ قِصَصِ السُّقُوطِ الْحَيِّ النَّاتِجِ مِنْ تَأْثِيرِ الْجَذْبِ نَحْوَ الرَّغَبَاتِ وَالْأَهْوَاءِ السَّاذَجَةِ فِي وَاقِعِ انْحَسَرَ فِيهِ وَهَجُ الصِّدْقِ وَكَأَنَّهُ أَصْبَحَ محصورًا فِي زَوَايَا مُعَيَّنَةٍ مِنْ الْحَيَاةِ، فَالذَّوَبَانُ فِي الْكَذِبِ ضبَابِيَّةٌ تَنْعَدِمُ عِنْدَهَا الرُّؤْيَةُ الصَّحِيحَةُ لِلْأُمُورِ "إِنَّهَا لَا تعْمَي الْأَبْصَارَ وَلَكِنْ تعْمَي الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ".
أَعْلَيْنَا أَنْ نُكَذِّبَ أَوْ نَتَّبِعَ أَسَالِيبَ مُتَلَوِّيَةً أَوْ أَنْ نُجْرِيَ مُنَاوَرَاتٍ لِلْخِدَاعِ وَالتَّمْوِيهِ؟ أَيَحِقُّ لَنَا أَنْ نُكَذِّبَ؟ وَهَلْ هُنَاكَ كَذِبٌ أَبْيَضُ وَكَذِبٌ أَسْوَدُ؟ وَهَلْ الْكَذِبُ حَاجَةٌ مَاسَّةٌ لِلْحُصُولِ عَلَى مَا نُرِيدُ وَنَتَمَنَّى؟ مَقُولَةُ تَحْمِلُ مُغَالَطَةً كَبِيرَةً جِدًّا "إننى لَا أَكْذِبُ وَلَكِنِّي أتجمل" تَبرِيرُ الْعُذْرَ هُوَ أَقْبَحُ مِنْ ذَنْبٍ.



