أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سيرة طالب (١٥)

الشيخ علي الفرح · القطيف اليومالجمعة 3 يونيو 2022، 1:54 م
سيرة طالب (١٥)

لقائي مع سيد الحرف
سيرة مختصرة
السيد مصطفى جمال الدين (1346-1416هـ) من أساطين الشعر في عصرنا الحاضر، الذي برز في الوطن العربي بشعر ملهم، فهو من الذين دخلوا ذاكرة التاريخ ليدخل في أنصع حقبة زمنية تصارع فيه الأفذاذ. تنفّس السيّد الحياة في قرية (المؤمنين)، من قرى مدينة سوق الشيوخ، التابعة لمحافظة ناصرية العراق.
هاجر إلى النجف لدراسة العلوم الدينية، فأكمل مرحلتي المقدمات والسّطوح، ثم انتقل بعد ذلك إلى مرحلة البحث الخارج، وأخذ يحضر حلقات السيّد أبو القاسم الخوئي (ره).
من أساتذته كذلك:
الشهيد الشيخ محمّد تقي الجواهري، والشيخ محمّد أمين زين الدين، والشيخ إبراهيم الكرباسي، فعُرف بين زملائه بالنبوغ المبكر والذكاء الحادّ، حيث كتب تقريرات أستاذه في الفقه والأصول.
له بحوث ودراسات كثيرة مطبوعة، منها:
- البحث النحوي عند الأصوليين.
- القياس: حقيقته وحجّيته.
- الانتفاع بالعين المرهونة.
- الإيقاع في الشعر العربي من البيت إلى التفعيلة.
- المنظومة الفكرية للشخصية المثالية.
- الاستحسان: معناه وحجّيته.
- محنة الأهوار والصّمت العربي.
- جميل بثينة ــ رواية شعرية تقع في 900 بيت.
- الديوان.
غادر العراق إلى الكويت، ومنها إلى لندن، ثمّ عاد إليها مرّة أُخرى، حتى استقرّ في سورية حيث ألقى عصا الترحال، ودفن بحيّ السيّدة زينب (عليها السلام)، وله قبر شاخص هناك.
الشّاعر المعمّم
كان السيّد جمال الدين شاعراً مطبوعاً، تعلَّم في أحضان أسرة دينية معروفة، وكتب شعره منذ أن كان في مرحلة الدراسة المتوسطة، وعندما دخل الجامعة كانت القصيدة تنطلق منه بسهولة، إلّا أنّ دراسته الحوزوية مع شغفه بالشّعر دفعا به للتعرف على شعراء العراق المعاصرين، أمثال: السيّاب، والبيّاتي، والجواهري، ونازك الملائكة.
باكورة اللقاءات
نما إلى علمي وجود السيّد مصطفى جمال الدين في حيّ السيّدة زينب (ع)، ثم رأيته عدّة مرّات في الحرم المطهّر، وهو الشاعر الطائر الصّيت، لا سيّما برائعته (ظَمِئَ الشّعر أم جَفَاك الشّعور).
لم يمرّ وقت طويل حتّى أضحى السيّد ملهمي، فتولّدت في نفسي رغبة جامحة لأكون واحداً من يغرفون من بحر علمه وأدبه، فعزّمت على لقائه والتعرّف إليه والتحدّث معه، في وقت كان الحياء حاجزاً يمنعني من الإقدام على تحقيق رغبتي؛ فعمري وقتذاك لم يتجاوز واحداً وعشرين ربيعاً، وأنّى لمثلي أن يكون له مكان بين تلك الثّلة من كبار العلماء والشّعراء.
وبين إقدام وإحجام، انتخبت واحدة من قصائدي، (أمل الدنيا) في الإمام الحسين عليه السلام، ورأيتني أحثّ الخطى نحو حرم السيّدة زينب (ع)، بعد أن رصدت أوقات مجيء السيّد وخروجه.
تحقّقت أمنيتي ورأيته وهو في صحن الحرم، فاقتربت منه والخجل يستولي على كياني كلّه. بعد السّلام والتحية، أعطيته ليقرأها معي، فانطلق في إنشادها وهو يكرّر بين بيت وآخر (باللهجة الدّارجة): زين، زين!
بعد أن فرغ من إنشادها سألني عن اسمي، وسألته عن رأيه في القصيدة، فوصفها بأنّها قصيدة ذات حسٍّ شاعري جميل، ثمّ ودّعته ومشاعر الفخر والاعتزاز بلقائه ورأيه في قصيدتي، تملؤني نشوةً وسروراً.
في حضرة السيّد
بعد شهر أو أكثر قليلاً التقيت الشيخ حبيب آل جميع (1)، وسألته عمّا إذا كان ممكناً الاجتماع بالسيّد في جلسة خاصّة والتحدّث إليه، فأفادني بمعرفته الشخصية وقربه منه، واعداً إيايَّ بتنسيق أقرب وقت نلتقي فيه.
غمرني سرور لا يوصف حين زفّ الشيخ آل جميع، بعد بضعة أيام، وإنّ لقاء السيّد سيكون محدد ذات ليلة قريبة في مجلس خاص.
ذهبتُ مع الشيخ الجميع إلى مجلسه الخاص فاستقبلنا بحفاوة وتكريم، هو وابنه (مهند) (2)، وقلت للسيّد: إنّي جلبت كلّ قصائدي معي، وأريد أن تُفرّغ سمعك هذه الليلة التاريخية، فقال: تفضّل أنا أسمع بصمت.
بدأت أنُشِدُ على مسامعه القصيدة تلو الأخرى، وهو يسبح في خياله، متّكئًا على الوسادة، يُشعل السّجارة تلو أختها، بشراهة، حتى فرغت من آخر قصيدة، فعقّب قائلاً: شعرك زين، لطيف.
هذا التعقيب المقتضب الخالي من أيّ احتفال بي وبإنتاجي، كان مفاجأة غير سارّة لي، ثم توادعنا وخرجنا من مجلسه، والحزن والضّجر قد أخذا منّي كلّ مأخذ، ظانًّا أنّ السيّد لم يشجّع شاعراً شابًّا مثلي؛ لعيوب أو ضعف غير مقبول في قصائدي، وقد مرّ أسبوع، وأنا على هذه الحال من التبرّم.
وسام الفخر
بعد مرور أشهر قليلة التقيت الشيخ حبيب آل جميع وأخبرني أنّ السيّد مصطفى جمال الدين قد ذكرني في إحدى جلساته في لندن مع السيّد محمد بحر العلوم رحمه الله وبعض العلماء والشعراء، وكان الذكر على هامش موضوع تأثير الطبيعة البيئية على شاعرية الشاعر، وكان رأي السيّد أنّ البيئة الصحراوية مثلاً لا تمنع الشاعر أن يكون أكثر شاعرية ممن يبدع ويكتب وسط واحة الطبيعة الغنّاء، وكان شاهده على ذلك شاعر سعودي عاش في الصّحراء، اسمه (علي الفرج)، سبق أن جلس معه جلسة خاصّة، وكانت شاعريته رفيعة.
كان لهذا الخبر أثر جميل في نفسي، ودفعة معنوية كبيرة، ووسام شرف وتكريم أتقلّده بفخر واعتزاز أبداً ما بقيت، ولا غرْو في هذا، فقد كان وساماً من قامة عظيمة في عالم الشعر والأدب.

هذه الصورة في (قم المقدسة) في منزل الشيخ نزار آل سنبل، وهو آخر لقاء ضمّنا معه وبعده انتقل إلى سوريا ومن ثم لندن حيث وافته المنية (رحمه الله) وهم من اليمين وقوفاً:
١/ الشيخ إبراهيم النصيراوي.
٢/ السيد مدين الموسوي.
٣/ السيد مصطفى جمال الدين (ره).
٤/الأستاذ جواد جميل.
٥/ الأستاذ فرات الأسدي.
٦/ الشيخ نزار آل سنبل.
٧/ الشيخ جعفر الهلالي.
٨/ الشيخ ضياء آل سنبل.
ومن اليمين جلوساً:
١/ الشيخ هاني الصنابير.
٢/ السيد حسين العوامي.
٤/ الشيخ علي الفرج.
٥/ الشيخ قاسم القاسم.
٦/ السيد مهند بن السيد مصطفى جمال الدين.
٧/ الأستاذ ثامر الوندي.

(١) الشيخ حبيب الجميع (مواليد 1385هـ)، من بلدة الأوجام، وهو من رجال الدين البارزين في التأليف.
من مصنّفاته:
(معجم المؤلفات الشّيعية في الجزيرة العربية) و (زينب بطولة وجهاد)، و (الشيخ أحمد آل طعان: حياته وشعره)، و (الشيخ إبراهيم القطيفي، العالم المجتهد)، و (ابن معصوم المدني عالماً شاعراً).
(2) الفاضل الشاعر السيّد مهند بن الشاعر الكبير السيد مصطفى جمال الدين، ولد سنة 1395هـ، التحقَ بالحوزة العلمية في قم المقدّسة 1412هـ، ومن نتاجه الأدبي كتيّب شعر (همسُكِ الماء).
كما له كتاب جميل عن والده باسم (سيّد النّخيل المقفّى).