أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

أيعقلُ أن الله اختارني؟!

محمد الحميدي · القطيف اليومالخميس 16 يونيو 2022، 1:31 م
أيعقلُ أن الله اختارني؟!

من أصعب الأمور محاولة إثبات نبوة نبي من الأنبياء، وأقل منها صعوبةً إثبات كرامة ولي من الأولياء، أمَّا الشواهد على ذلك فيمكن رؤيتها بوضوح ضمن سير الأنبياء والأولياء، الذين كُذِّبوا من أهل بيئتهم، وأُرهقوا من أصدقائهم ومحيطهم الاجتماعي، وفي النتيجة لم يُؤمَن بهم؛ إلا بعد جهدٍ، وتعبٍ، وبأعداد قليلةٍ من البشر.
إذا ما انتقلنا من الأنبياء والأولياء إلى الأشخاص العاديين (أنا وأنت وكل من تشاهد وتسمع)، الذين لا هَمَّ لهم إلا الانشغال بالمعاش ومسايرة الحياة، سنجد عدم التصديق يتجاوز محيطهم إلى أنفسهم، فهؤلاء لا يصدقون أن اختيار الله وقع عليهم، ويعتقدون بحرمانهم من عطائه، فكيف يقتنعون أنهم أفضل من غيرهم، أو أن الله اختارهم لتأدية دور عظيم؟
وقع حادث غيَّر نظرتي للكثير من الأمور؛ لنفسي، ولمن حولي، وللأحداث الدائرة قربي، بل للعالم وتصوراتي عنه وكيفية مقاربتي إياه، أفكار كثيرة تغيرت؛ إذ فتح عينيَّ على أسئلةٍ "غيرَ مُفكَّر فيها"، كـ: علاقتي بالله، ومكانتي منه، وهل هو راضٍ عنِّي؟ وأسئلة أخرى مشابهة.
زُقاقٌ من أزِقَّة القديح المهملة، وحيث لا يُتوقع حُصول أمرٍ مهمٍّ، هبطت امرأة درجات مبنى سكنيٍّ، برفقة ابن في الثالثة، وبنت في الخامسة أو السادسة، يريدون عبور شارع للجهة الثانية، فوقفتُ احترامًا لحق الطريق وحق الإنسانية، هنا تقدَّمت الصغيرة، وسبقت والدتها، لكن صوتًا مرعبًا أجفلها وجعلها تتراجع، فعادت مسرعة إلى والدتها وتعلَّقت بعباءتها بشدَّة. الصوت المرعب لم يكن سوى صراخ سيارات اصطدمت ببعضها؛ سيارتي وسيارة فتاة زرقاء القلب تحب الحياة ومباهجها، لم تلتفت لوقوفي، فانهالت عليَّ باللوم وبعض الشتائم غير المسموعة. عملتُ على تهدئتها وامتصاص نقمتها، عبر الاستفسار عن حالها وما كانت تفعل، فتبيَّن انشغالها للحظات، أنزلت فيها رأسَها، وحين رفعتهُ كان كلُّ شيء قد حصل، وبعد معاينة الأضرار المادية؛ وجدت الموضوع لا يستحق الانتظار وتصعيد الأمر، فبادرت وتنازلت عن حقِّي، فما كان منها؛ إلا أن لملمت أغراضها ومشاعرها، ورحلت بهدوء.
حين سار كل واحد في طريقه؛ استرجعت خيوط الحادث منذ لحظة مشاهدتي للبنت الصغيرة وهي تحاول عبور الشارع، ثم قراري بالتوقف، وحتَّى اصطدام الفتاة بي من الخلف، حيث تقدَّمت السيارة عدة أمتار، وأخيرًا مغادرة الصغيرة مع عائلتها، وهم لا يدركون عناية ربِّ العالمين بهم، فلو لم أقف لتغيَّرت الأمور، ولكانت سيارة الفتاة قد واصلت طريقها، فاصطدمت بالصغيرة، وتسببت في كسور عديدة بجسدها، بل ربما تسببت بوفاتها!
متيقنٌ أن الصغيرة لن تتذكر الحادث، وإن وردت إلى ذاكرتها؛ فومضة سريعة حول اصطدام سيارتين، لا أكثر من ذلك، لكن بالنسبة لي، المسألة تتجاوز مجرد حادث اصطدام، فما حصل يُصنَّف ضمن خانة "إنقاذ روح"؛ حيث توقُّفي حال دون وقوع مأساة مروِّعة، وإزهاق نفس بريئة.
اطمأنَّ قلبي وابتسمت؛ لهذا الشعور السعيد، ثم تساءلت بيني وبين نفسي: "أيُعقل أنَّ اللهَ اختارنِي؟!". سؤال عبرني واستولى على تفكيري، ولا بد من الاعتراف بعجزي عن إجابته، فمن أنا ليحبني الله فأكون من الذين أنقذوا الناس من الهلاك (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا)؟!
قبل الحادث، لم يسبق أن طرحت سؤال "الشك/ اليقين" على نفسي، أمَّا الآن فلا مفرَّ من طرحه، فمن أنا ليختارني الله لأداء مهمة إنقاذ الأرواح من الهلاك؟ إنه سؤال سيتردد صداه في ذاكرتي، لآخر يوم من أيام حياتي على هذه الأرض.
أعتقد أن سؤال "الشك/ اليقين" ليس خاصًّا بي وحدي، فلكل إنسان إجابة مختلفة عنه، تختلف عن إجابات الناس الآخرين؛ لأن الحيوات تختلف، فالأفكار، والأشكال، والسلوكيات، والمشاعر، والتوجهات، والتصرفات؛ أمور غير متساوية بين البشر، فهناك الغني والفقير، والجميل والقبيح، والكريم والبخيل، والوفيُّ والخائن، إلى آخر الصفات المتوزعة عليهم بنسب ومقادير، من الصعب حصرها والإحاطة بها.
تحدثت كثيرًا عن الشك واليقين، وهو حديث لن ينتهي قريبًا كما أظن، ونسيتُ البنت الصغيرة، التي: أنا واثقٌ ومطمئنٌ أن الله أحبها، وقدَّر لها مستقبلًا مميَّزًا، سيتكشف لاحقًا.
الحمد لله على سلامتك يا صغيرتي.