قصص العاشقين

ما كدنا ننتهي هذا الأسبوع من، استمتاعنا بمشاهدة صورة لسيدة، إندونيسية لم تستطع تمالك مشاعرها وحبس دموعها فألقت ما تحمل جانبًا وسجدت لله شكرًا فور هبوطها من الطائرة في مطار المدينة المنورة. حتى شاهدنا مقطع فيديو لرجل ستيني يجهش بالبكاء وهو مازال في مطار بلده حبًا وشوقًا لزيارة مدينة ضمت في جوفها جسد أفضل من خلق الله من الأولين والآخرين.
هذا العشق لا يعرفه ولا يلتذذ بطعمه إلا من غرف من مناهله أو رأى أهله أو نام ليلةً وهو يشعر أن معشوقه يرفرف بجناحيه فوق رأسه ليحميه ويمنحه ما لا يستطيع أطباء اليوم إعطاءه إياه أو على الأقل قرأ قصص العاشقين.
إنه الحب والعشق الذي أفقد كوكب الشرق أم كلثوم شعورها وهي في حضرة الأمير عبدالله في المغرب في احتفالات عيد الأضحى عام 1968م؛ حيث يذكر أن السيدة أم كلثوم كانت من بين الحضور في مسرح محمد الخامس بالرباط، حين كانت فرقة الجوق الوطني المغربي تعزف لحن "يا رسول الله خذ بيدي" فأُعجبت باللحن كثيرًا فقامت بمفاجأة الجميع وصعدت إلى المسرح وشاركت المجموعة في أداء الموشح الديني، حتى إن الذين سجلوا الحفل فوجئوا، لذا جاء التسجيل ضعيفًا وخافتًا؛ لأنه لم يكن الجمهور، ولا الفرقة، ولا الإذاعة، مهيئين لاستقبال مثل هذه المفاجأة.
تقول السيدة أم كلثوم في لقاء أجري معها بعد هذه الحادثة بالمغرب: إنها وهي جالسة في وقت الاستراحة على مائدة العشاء، كانت هناك فرقة إنشادية تؤدي هذا الموشح، تقول إنها انفعلت وراحت تقول معهم: يا رسول الله أدركنا، وأجرنا، وأغثنا يا رسول الله.
وفي حديث لصالح الشرقي ملحن قصيدة "يا رسول خُذ بيدي" يقول: استرعى انتباهي أن أم كلثوم تنصت إلى الأغنية باهتمام شديد، ونادت على أحد أعضاء المجموعة الصوتية؛ ليسمعها كلمات القصيدة. وفجأة وقفت من مكانها كالهرم، وتقدمت نحو الفرقة الموسيقية في لحظة مؤثرة بالنسبة لي، ارتبكت شخصيًا خلالها، فقدت توازني، وغابت الأوتار عن عيوني، وأنا أرى وأسمع أم كلثوم بتاريخها الفني، وصوتها الساحر، تنشد معنا في اندماج غنائي: "يا رسول الله خذ بيدي".
قصص العاشقين لهذا المعشوق بدأت حتى قبل أن يُبعث.
فهذا شاب ترك حياة الترف والراحة في قرية أصبهان في أقاصي أصفهان ليذهب مكبلًا بالحديد إلى الشام، ثم يحرر ويعيد قصة الحب والعشق مرة أخرى لمن سمع به ولم يره. ويقضي السنين بين عبد ذليل يُهان ويُضرب كلما طلب شربة ماء وبين تائه في صحراء الجزيرة العربية وحرها باحثًا عن المعشوق الذي يتمنى رؤيته قبل موته.
يعمل بجهد ودون كلل أو ملل ليجمع بعض المال لكي يستطيع الذهاب من الشام إلى القرب من محبوبه، اتفق مع قوم من بني كلب لينقلوه إلى بلاد العرب، فغدروا به وباعوه إلى يهودي من وادي القرى، ثم اشتراه يهودي آخر من يثرب من بني قريظة. وهكذا يتنقل من واد إلى واد ومن صحراء إلى صحراء أشد حرارةً وقسوة وهو لا يعلم أن القدر يسوقه بالقرب من حبيبه وهو لا يعلم.
وتمضي الأيام والسنون حتى يلقى أخيرًا محبوبه فيراه بأجمل مما تصوره ويلقاه محبوبه بشوق لرؤيته أكثر مما هو مشتاق، ويبقى معه كالخادم المخلص بل كالمشتاق الذي رأى حبيبه فرمى بنفسه بين يديه خاشعًا محبًا مخلصًا قد أعاد الشوق إليه الحياة من جديد!
ويقابله حبيبه بما لم يكن يخطر بباله فيقول فيه كلمته الخالدة: "سلمان منّا أهل البيت"، ويقول فيه: "الجنة تشتاق لسلمان". يا له من عشق متبادل! نعم الجنة تشتاق لسلمان كما اشتاق سلمان لمحمد (ص) نعم الجنة تشتاق لسلمان ولكل من عشق الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله.
هنيئًا لسلمان ولكل العاشقين أما غير العاشقين فلا نقول لهم إلا ما قاله الشاعر العربي عمر بن أبي ربيعة:
إذا أَنتَ لَم تَعشَق وَلَم تَدرِ مَا الهَوى
فَكُن حَجَرًا مِن يابِس الصَّخر جَلمَدا



