حِكاية حزن

شعور أنك تتصنع الراحة وأنت متضايق حزين، يوجع أكثر من الضيقة نفسها؛ فلماذا أحزن؟! وبين كل دقيقة ودقيقة فرج من رب السماء، ولماذا أحزن؟ ورزقي مكتوب، وعمري محسوب، وأجلي لا أعلم متى سيكون، وربي أرحم بي من الأم بالمولود، وإذا استغفرت يرزقني ربي وتنجلي كل الهموم، وربي إذا أراد شيئًا؛ قال له كن فيكون. ثقتي بربي ليس لها مثيل، وإني أبدو ثابتة، مع أن الحزن انفجر في صدري.
الدكتور مصطفى محمود يتحدث في لقاء تليفزيوني عن أعجب موقف مر به في حياته؛ يقول: "إنه في يوم هاجمه ألم بشع في ظهره، وصار يصرخ من الوجع"، كان ذلك في سنة 1969م.
ذهب إلى الدكتور؛ الدكتور أخبره أن عنده حصاة ضخمة في الكلى، وطبعًا لا يفيد معها موسعات، ولم يكن قد اخترع التفتيت بالأمواج التصادمية، ولا بالليزر حين ذاك.
الدكتور أخبره أن عليه أن يخضع للجراحة؛ يفتحون كليتك لإزالة الحصاة الضخمة التي بها.
يقول الدكتور مصطفى: "لم أكن لأملك نفقات العملية هذه، ولا جسمي يحتمل خطورتها"، راح وهو يتألم، أخذ الدواء المُسكن ولكن دون فائدة، صار في حالة رعب وفزع شديدين، وشعر أن هذه نهايته.
قام فتوضأ وصلى وبكى، وبدأ يدعو قائلًا: "يا رب أنا لا أقدر على العملية هذه، يا رب ساعدني ونجني، فشعر حينها بذوبان كامل مع الدُّعاء، شعر أن كل خلية في جسمه تستنجد بالله، واستمر يدعو بكل يقين.. أسلم نفسه لله تمامًا.
بعدها بنصف ساعة، ذهب إلى دورة المياة نزل منه تقريبًا لتر كامل؛ شيء مثل "الطحينة" بالضبط، لون الطحينة نفسه؛ الحصاة فُتتت وتحولت لبودرة.. وواضح أن حجمها كان ضخمًا جدًا؛ فنزل منه كمية كبيرة، تقريبًا لتر.
بعد نصف ساعة من الدُّعاء، والخشوع استجاب الله لدرجة أذهلته، وشرب ماء وانتهى الموضوع، وكأنه لم يشك شيئًا من الأساس.. وقتها تذكر كلمة لدكتورة فرنسية أسلمت لما كانوا في المغرب: "إن لديكم يا مسلمون جوهرة لا تعرفون قيمتها.." قال: ما هي؟ قالت: الدُّعاء؛ إن الله لا يخذل عبدًا بكى، عبدًا شكى، عبدًا حَنى رأسه، ثُم دعا.
خاطبوا الله في الخفاء فلن يرد الله قلبًا أتاه يستظل برحمته من متاعب الحياة!
لو استسلمنا لكل شعور سيء، لأصبح وجودنا من عدمنا، نحن لسنا متعافين من كل هم وحزن، نحن نتعافىٰ بالأمل، بالصبر، نصمد ونعيد قوانا، ونتذكر أنها دنيا، وأن الله مع الصابرين، نتسلح بالدعاء الخالص لوجهه تعالى، فلا غياب مُؤذي إلا غياب الموتى الذين اتخذوا الجُزء الأكبر من قُلوبنا، الذين باتوا ملتحفين الأتربة، و مُتيقنين أن الدُعاء هو رابط بيننا.
اللهم اجعل موتانا في ظلال على الأرائك متكئين وأسكنهم الفردوس الأعلى.
نحن الذين نتقرّب إليك بالرفق، وجبر الخواطر، نُبادل الآخرين ما نرتضيه لأنفسنا، ونعوّل على تفوّق الخير، وظَفْر النيّة المباشرة، وعلوّ اليد الصادقة. نسألك ألا ينال من صفونا غدر، ولا يلطّخ هدوءنا فصلٌ ناقص، ولا تُرينا فيمن نحب بأسًا يكدّره فَنأْلَم، ولا قلقًا يقضّ سكينتنا الواحدة. وإن مُتنا وكنا نسيًا منسيًّا فاللهُم اغفر لنا ذنوبنا وألحقنا بالصّالحين.



