الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

غذاء العقل والروح (١)

محمد الأحسائي · القطيف اليومالخميس 14 يوليو 2022، 3:32 م
غذاء العقل والروح (١)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}
نحن كبشر نخطط لإعداد وجباتنا،ونشتري كل ما يلزمنا لتجهيز الطبخات المفضلة، وللاهتمام بغذائنا أكثر؛ نبحث عن المطاعم الراقية فنطلب منها ما لذ وطاب، وهناك من يتفنن في أكلات الرشاقة، ومن يجتهد كذلك في الحصول على أكلات القوة ومشروباتها، وكذا بناء الأجسام.
هنيئًا مريئًا.. هذا من حقك، ومن دواعي الحفاظ على الصحة وديمومة النشاط ونمو الجسم بالصحة والعافية، فلا تقصروا في جودة ما تأكلون، وهناك مقولة تقول: "الغذاء قبل الدواء"، ولكن هناك غذاء آخر لا تغفلوا عنه؛ لتتكامل حياتكم، ضُمُّوا إلى هذا الغذاء غذائين رئيسين، هما: غذاء الروح، وغذاء العقل، هل تذكرونهما أم نسيتموهما؟ هل هما في قائمة أولوياتكم أم في وقت فراغكم إن فرغتم لهما؟
هذان الجانبان إن لم يأخذا حقهما الكافي الوافي؛ سيعطشان ويذبلان ثم ينتهيان تمامًا كشجر الريحان، إن سقيته ورعيته أورق ونما وفاح عبيره، وإن أهملته وحرمته الماء، ذبل ويبس وتناثرت أوراقه.
أولًا: الغذاء الروحي:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}؛ العبادة فيها واجبات كالصوم والصلاة والحج والزكاة، وفيها مستحبات كالنوافل والصدقات والقرآن والدعاء والذكر والتسبيح؛ فالمؤمن لا يكتفي بالصوم والصلاة ويغفل عن الذكر والتسبيح والدعاء والصدقات، ولا تحيا القلوب وتطمئن إلا بذكر الله الدائم المستمر؛ {الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب}، لاتنسوا آخرتكم وتنشغلوا بدنياكم فإنها تقسي القلوب وتميت الضمائر؛ {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}.
هذه هي الحقيقة، فحين يطول هجرانك وابتعادك عن الله؛ يقسو قلبك ويموت ضميرك، وتحاول أن تعود لذكر الله فلا تستطيع، لا تجد لك رغبة في قراءة القرآن، ولا ميولًا للدعاء، ولا تخشع في صلاتك، ولا تمد يدك بالصدقة، ولا تمتنع عينك عن محظور؛ ذلك لأن قلبك أصبح حجرًا من كثرة تعلقك بالدنيا؛ {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}، وغطت الغشاوة سمعك وبصرك؛ {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}.
إذا كان الله سبحانه وتعالى طبع على قلوب الكفار والمنافقين؛ لأنهم حاربوا الله ورسوله، فلماذا -نحن المسلمين المصلين العابدين- يُختم على قلوبنا وسمعنا وأبصارنا، فنصبح كالأنعام لا نعي ولا نفقه؛ {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضلُّ سبيلا}، ذلك لأننا ابتعدنا عن الله سبحانه وتعالى؛ وُعظنا فلم نتعظ، وحُذّرنا فلم نحذر، وذُكّرنا فلم نتذكر؛{قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى}.
من يذكر الله يذكره، ويستجيب دعاءه، ومن ينس ربه فلا يلومن إلا نفسه؛ {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. قال أبو جعفر: "فاذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه؛ أذكرْكم برحمتي إياكم ومغفرَتي لكم".
القول في تأويل قوله تعالى: {وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ}؛ قال أبو جعفر: "اشكروا لي أيها المؤمنون فيما أنعمت عليكم من الإسلام، والهداية للدين الذي شرعته لأنبيائي وأصفيائي"، "ولا تكفرون؛يقول: ولا تجحدوا إحساني إليكم، فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم، ولكن اشكروا لي عليها، وأزيدكم فأتمم نعمتي عليكم، وأهديكم لما هديت له من رَضيت عنه من عبادي، فإنّي وعدت خلقي أنّ من شكر لي زدته، ومن كفرني حَرمته وسلبته ما أعطيتُه".
والخلاصة، أن الغذاء الروحي مهم لحياة قلوبنا وسلامة أنفسنا، وإبعادها عن المرض والنفاق والرياء؛ {أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.
كثيرًا ما يتساءل المرء، لماذا قسى قلبي؟!
لماذا لا تدفعني نفسي للذهاب إلى المساجد؟!
لماذا لا يخشع قلبي ولا تتأثر روحي حين أصلي؟!
لماذا لا أجد رغبة في قراءة القرآن والدعاء؟! لماذا لا تطاوعني نفسي بالتبرع أو التصدق بمال قليل
بينما أجد غيري لايسمح لأي عائق يُعيقُه عن أي فريضة بالمسجد؟! ولايكتفي بالواجب بل يكثر من النوافل ويتلو القرآن ويستشعر حلاوة الدعاء ويتصدق سرًا وعلانية، وفي هذا الصدد يقول الإمام زين العابدين(ع): "وما لي كلما قلت قد صلحت سريرتي، وقرب من مجالس التوابين مجلسي، عرضت لي بلية أزالت قدمي، وحالت بيني وبين خدمتك، سيدي لعلك عن بابك طردتني، وعن خدمتك نحيتني! أو لعلك رأيتني مستخفًا بحقك فأقصيتني (37)! أو لعلك رأيتني معرضًا عنك فقليتني (38)! أو لعلك وجدتني في مقام الكاذبين فرفضتني! أو لعلك رأيتني غير شاكر لنعمائك فحرمتني! أو لعلك فقدتني من مجالس العلماء فخذلتني! أو لعلك رأيتني في الغافلين فمن رحمتك آيستني! أو لعلك رأيتني آلف مجالس البطالين فبيني وبينهم خليتني! أو لعلك لم تحب أن تسمع دعائي فباعدتني! أو لعلك بجرمي و جريرتي (39) كافيتني! أو لعلك بقلة حيائي منك جازيتني! فإن عفوت يا رب، فطالما عفوت عن المذنبين قبلي".
احذروا مجالس البطالين، التي ليس فيها إلا اللعب واللهو، تُرى ما المجالس والديوانيات والاستراحات التي اعتدنا الالتقاء فيها هل تخلو من أحاديث الغوغاء؟!وهل تخلو من سهرات الطرب والمجون؟!وهل نبتعد فيها عن الصراخ والشجار والسب واللعن أم أنها مخلوطة بالصلاة والطرب ومنوعة بالاحترام والاستهزاء بالحاضرين والغائبين؟! لنُنقِّ مجالسنا وسهراتنا من كل ما يبعدنا عن الله ويقسي قلوبنا، ونختار لها مجالس الذكر وأحاديث الوعظ ونتلو القرآن آناء الليل وأطراف النهار؛ {وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى}، فمن لم يستطع الصيام والقيام فلا يترك ذكر الله أبدًا؛ "واجعل لساني بذكرك لهجًا، وقلبي بحبك متيمًا".
لا تغفلوا عن ذكر الله طرفة عين، وخصوصًا في ليالي الجمعة، والليالي التي فيها مناسبات وتفيض فيها النفحات الرحمانية اغتنموها واكسبوها؛ {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}، فإن وجد الشيطان قلبك فارغًا تعشعش فيه وتغلغل، وأصبحت تطيعه وتنفذ مخططاته دون تفكير؛ فلا تعطوا الشيطان فرصة لاحتلال قلوبكم، لا تخلوها من ذكر الله، عمروها بالتسبيح والتهليل والاستغفار والأذكار ليل نهار.
هيأ الله قلوبنا وإياكم لذكره، وشرح صدورنا للهداية والتوفيق؛ {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.
ثانيًا: الغذاء الفكري..
وإلى اللقاء في الجزء الثاني، والغذاء الفكري