فن الحكاية المتوارث بين الاستمطار والاندثار .. حَدَثٌ وَحَدِيٌْث "24"

غالبًا ما تمثل صياغة وسرد حبكة الحكاية الشعبية المحكية، بخصائص عراقة وجودة فنونها الأصيلة المتوارثة؛ وجملة رقة أطرب تفاصيلها الحركية الحية؛ وأذواق بناء أساليب سردها المسموعة؛ واختيار توقيتها المكاني والزماني المناسبين، وأثر وقعهما السالك النافذ، في ذُروة حاضر أَحضان الحواس، والصاعد إلى صَهوة سرج الخيال؛ لتلامس وتستشعر حَبكة الحكاية الشائقة، برفق وتروٍ، ببديع أنسجة قطائفها الفاخرة؛ وتناطح أنيق سحر خَمِيلها الفاتنة، بنمير مذاقات فنونها الرائعة الماتعة، أكثر مِن حاسة؛ ليبقى أثر فن- حكاية السرد- الصامد المنتصر، نابضًا صادحًا في حلبة منتدى الخيال الطفولي الحالم؛ والقائم، عَلامة ودَلالة، كبصمة أبدية، لا يمحى جوهر قالبها الماثل، ولا يلغى سائر أثرها الشاخص، في ناصية صفحة أدب الخيال الطفولي الخصب… الحضن الساخن الرحب، بعد أن يصادق ويوافق ختم عقد الطفولة الهادئ الوديع على أنصع صفحات حافظة الخيال المرهفة؛ لتظّل وتخضّل حاضر أوسمة فصول الحكاية المسموعة محفوظة، بكامل أنزيمات خمائرها الفعالة الأصلية، قلبًا وقالبًا!
ومِمّا يثلج الصدر، ويبهج الخاطر حقًا، عندما كُنا صغارًا أترابًا، دون العاشرة؛ كنا نعشق الاستماع؛ ونهوى الاستمتاع، إلى رُفقة التجمع الذاتي في حلقة- بنات وصبيان- في أمتع ثلة تجمع طفولي أمام مداخل بيوتنا الشعبية، في أزقة ديرة تاروت الضيقة؛ للاستماع المنصت؛ لسرد حكاية شعبية جديدة، خاصة في قيض ظهيرة فصل الصيف المشبع بالرطوبة والحرارة، بعد فترة الغداء تحديدًا، حيت لا كهرباء، ولا مروحة تدور الهواء الرطب؛ للتخفيف مِن شدة وطأءة حرارة الصيف المتنامية المتعاظمة، سوى بعض هبات نسائم ضائعة بين الأزقة و"السوابيط" المتداخلة.... وهناك، في وسط حلقة الأطفال المنسجمة، تتربع القاصة الملهمة المخضرمة الحاجة "أم سعيد" يرحمها الله تعالى برحمته الواسعة، ويسكنها فسيح جناته… حيث يعيش أطفال الجيران ساعة منتعشين بمعية هدايا تُحفها القصصية المجزية، في أَجواء شاعرية ساحرة، لحظة السرد القصصي الجاذب، وكأن صغار المستمعين الحاضرين، أمام شاشة عرض سينمائية حديثة، تأسرهم "حتى الرمق" وتكسبهم حماسةً وإتقادًا، مِن أعلى الرأس إلى أخمص القدم!
هذا، ومن الطريف والمفيد، أن انقل شيئًا تفصيليًا عن جانب أدبي عملي متواضع، ساد رّدَحًا مُشبعًا ممتعًا، مِن ديدن الفن الشعبي المتبع آنذاك، في أعرق صِناعة السرد القصصي "التاروتي" الأصيل تحديدًا.. حيث تبدأ القاصة عادة، في مستهل الحكاية، بالصلاة والسلام على نبي الرحمة، وآله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين؛ لتهيئة أذهان الأطفال المستمعين، إلى تلقي وتتبع أحداث وأطوار الحكاية المنتظرة المرتقبة، بفائق شوق، وشائق توق؛ وبقدح شَرارة، وإزاحة سِتارة ذلك الإطار التنظيمي التقليدي؛ بالتقديم والتعريف بظُهور الشخوص، وذِكر مكان وزمان الحدث؛ لاستهلال نشط لمدخل بوابة الأطفال التخيلية؛ بعدها يتدانى لها سك بنود المحتوى الرصينة الماتعة، بأساليب وأنماط تحفز وتعزز ذائقة الخيال الطفولي المتيقظ المنتعش، بتسلسل الأحداث وتناميها... ولا أكاد أنسى فنون، أو أغفل "سِيناريو" الإلقاء المتبعة، عند القاصة آنذاك، حيت تواصلها مع حواس الأطفال بفن ونسق التواصل الوجداني المتبع في حلقات الدروس التربوية الحديثة في أجندة فنون السرد القصصي الماتع… مِن تغيير ملحوظ في نبرات الصوت؛ ومُواصلة النظر إلى وجوه جمهور المستمعين؛ ومُداومة استخدام لغة التواصل غير اللفظي: كإشارات اليدين، وملامح الوجه، وتحريك أطراف الجسم، بما يتواءم ويتلاءم مع نبرات وطبقات الصوت المصاغة المخرجة، بعناية ودراية… كل تلك فنيات، وأدوات، ومخرجات التواصل القصصي الموجّه، وما يرافقها مِن إبداعات موروثة أصيلة، نابعة مِن "حنكة وحكمة" القاصة الذكية، في ثوبٍ قشيبٍ؛ لا شك أنها تؤتى أُكلها النضِر المونِق، في قَدْح، وتشكيل، وصقل قواعد وأسس خيال الأطفال… تمامًا مثل جَودة حرارة توصيل الأسلاك الكهربائية الناقلة للطاقة المحركة لدوران الأذرعة والتروس الدوارة!
ولَعل ما تحتفظ به ذاكرتي المتيقظة مِن قمة مخرجات الفن القصصي الإبداعي، للقاصة أم سعيد، كوحدة قصصية متكاملة، يشار إليها بالبنان… خاصة في ابداعها الملحوظ في حكاية "سفُوف" وهو اسم لولد يافع دبحته زوجة أبيه غدرًا، وعدوانًا، وانتقامًا مِن ضُرتها المنافسة لها، والتى تحظى دومًا، بعناية ورعاية زوجها المحب لها… ويُذكر أن القاتلة قد وضعت جثمان الطفل في زريبة فرس أبيه؛ وأخفت ودفنت شعر ذُؤابتة… وياله مِن مَوال حزين، شجي، ومؤثر، في الوقت نفسه، بصوت حانٍ متألم، وأحاسيس أنثوية مواسية صادقة: ( وسفوف ذنبحته خالته، مرت أبوه، وحطت "دَلَالِه" تحت حافر خيل أبوه… ) تلك النزعة مِن البوح المواسي المتألم، وصيحة الإبانة المعزية المواسية، تستقطبان، وتستهويان، بنيرات رقة إنشادهما الشاعرية، وحسن أداء لحنهما الكامِد المتقن؛ استثارة لُب وجُل عواطف المشاعر الطفولية المتحسرة المتعاظمة تناغمًا؛ والمواسية صدقًا، مع ندم توديع قامة الشاب الوسيم المذبوح… وكأني بالدموع الساخنة، قد بدأت تنساب، بحرية "ذلقة طلقة" مِن أحداق الأطفال المنصتين، الغارقين باستخدام وضبط أفخم عدسات التصوير التخيلي الحاذِق، للمكان والزمان، وبيئة الحدث الحزينة؛ واستحضار مربك مقلق، لقسوة وحماقة الإنسان المتهور، في أبشع وأشنع صُور طيش الوحشية الآدمية الموجعة… !
وَهُناك، في عُقر المنزل، ما يكمّل الصنعة المحترفة الإبداعية للقاصة أم سعيد، يرحمها الله تعالى، وهي سلسلة حِكايات الأم الرؤوم الليلية، يرحمها الله تعالى… عندما كنا أطفالًا؛ خاصة في ليالي فصل الشتاء، وقبيل ساعة النوم، حيث يبدأ الدفء المألوف بالتسلل السلس إلى جو غرفة النوم المتسعة، مع رقة الاستمتاع بلحظات سرد حكاية جديدة- تراثية أو خيالية- تملأ أَجواء وزوايا الغرفة الدافئة، بمزيدٍ مِن نفحات الدفء، وفوحات مِن شغف الحنان؛ وترسل دفقات مِن أمتع لحظات الراحة، وتهدي هنيهات مِن أفْرَح بُرَه الاسترخاء؛ وربما أكثر جذبٍ، وأَعم نفعٍ، مِن وسائل الترفيه المتاحة المعاصرة… !
وجَميع قوائم، ومصطلحات، ومفردات تلك الأجواء الطفولية الساخنة ساهمت، بكفاءة؛ وقاسمت بجدارة ملحوظتين، في قدح واستحثاث مخزون ومكنون أفق ذاكرتي المتواضعة؛ إذ عندما انخرطت في دراسة "كورس" متقدم، في فنون السرد القصصي، بجامعة "نورت تكساس" الأمريكية، في منتصف ثمانينيات القرن الميلادي المنصرم، والمُعد أَساسًا لطلاب درجة الماجستير، حيث حظيت بقِمة الاستقطاب الوجداني؛ وأنست بذُروة الجذب الذاتي؛ وسعدت بسَنام الانصهار الكلي، لأطروحات، ومعطيات، وفنون- البحث والطرح- النظرية والعملية، التي ساهم الكورس الأكاديمي المثير في شحذ وصقل مهارة السرد القصصي العملية المترعة بالدفء، والمفعمة بالانسجام لاحقًا… وعندما عُدت مثابرًا نشطًا إلى أحضان غرفة التدريس النظامي، مِن جديد، بعد انقطاع مؤقت، لمواصلة التخصص الأكاديمي…!
وهَكَذا، تظل فصول الحكاية الشعبية شامخة متألقة في دَواخل نفوس النشء، بفنونها الجاذبة، وقرع طبولها الأخاذة، وطلاوة إيقاعاتها المربِّية، كمًا وكيفًا؛ لصقل، وشحذ، وتشكيل مُخرجات مهارات الأخيُلة الطفولية، وانعكاساتها الإيجابية، شكلًا ومضمونًا، في، طُول وعَرض، أطياف قائمة التخصصات الأكاديمية اللاحقة لثلة أطفال الأمس… والسؤال المتردد المطروح في صِهاء الأذهان الراهنة: هل فن الحكاية الشعبية- بكامل أطيافه العريقة- سيلقى حتفه الحاسم المؤكد، في مَغبة زحام المواكب المستحدثة؛ وغمرة قوافل العولمة الزاحفة؛ وتنامي وسائل التواصل الرقمية العازفة؛ وتوسع حشود "تلفزة" الفضائيات المتنافسة، والمراهِنة على طمس هُوية موّال صِيت الحكاية، المكشِّر بأنيابه الحادة، تنديدًا ووعيدًا، بوحشية القتل "الرحيم" بأيدٍ خشنة غليظة؟!… وربما بأمزجة مُرة، وأذواق حاذِقة، لا تقيم أدنى وزنٍ نوعيٍ لحِقبة مَسيرة سرد فن الحكاية المنسي المتناسى، إلَّا في "رياض أطفال" بعض الدول المتقدمة الواعية، والمهتمة بسماحة ودماثة اليد الطولى المحافظة؛ لحماية ورعاية فن قافلة السرد القصصي المتواري، خلف الأبواب الموصدة، في جوف كبسولته الماتعة؛ والحاضر في جَوقة زِفافه الجاذبة، التي نعم وهنأ بفنها جيل الأمس رَدَحًا طويلًا؛ ونال، بعُقودها المنضودة، مُتعةً دائمةً، ولَذةً فائقةً!



