أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

غرباء تحت أسقف واحدة

إبراهيم الزين · القطيف اليومالإثنين 15 أغسطس 2022، 12:07 م
غرباء تحت أسقف واحدة

علينا أن نعترف كبارًا وصغار أننا أصبحنا مساجين في مختلف سجون هذا الجهاز الذي بين أيدينا والذي صار يتحكم بنا بدلًا من أن نتحكم بهِ.
علينا الاعتراف بأننا فقدنا هويتنا وأمسينا غرباء بين ذوينا وأرحامنا وأحبابنا على الرغم من أننا تحت سقف واحد. فقدنا الكثير دون أن نعلم. نسينا لغة التواصل ونكهة الحوار. فقدنا بوصلة الاتجاهات والمنحنيات ودوران الزمن وعدد أيام الأسبوع، تائهين لدرجة الضياع دون أن ندرك ما الذي نفعله بأنفسنا وبمجتمعاتنا.
أسأل نفسي كثيرًا: يا ترى ما الذي يفعله طفل عمره لم يتجاوز العامين بجهاز الآيباد حين نسلمه إياه والعذر هو ليتسلى أو يغفل.
ما الذي يفعله فتى يافع أو فتاة بالغة طوال الأربع والعشرين ساعة مع أحدث الجوالات التي وفرناها لهم.
يا الله! فلقد أصبحت البيوت مثل الفنادق كل واحد في غرفته والصالة عبارة عن بهو الفندق وكل في عالمه لا يعلم عن أخيه أو أخته أو والديه شيئًا، والعكس صحيح تمامًا.
أين نحن ذاهبون؟ وما هذه الأجيال التي ننتظرها وهي تتخرج من تحت هذه الأجهزة اللعينة التي تصاحبنا أينما نذهب وهي تعج بالأخطار. نعم بالأخطار، فالبرامج الموجهة للفائدة لا تعادل عشر معشار تلك الموجهة للإفساد وهدم المبادئ والقيم والأديان ليعود الإنسان إلى العصور الحجرية ولعالم الغاب، بلا هوية، فلا فرق عندها بين الإنسان والحيوان حين يغيب العقل ويفقد الإنسان نفسه، ليصبح غريبًا وحيدًا تائهًا، والسبب أنه سلم نفسه لجهاز لا يتعدى حجم كفه ليصبح هذا الجهاز اللعين هو ربه ونبيه ودينه، وعدوه في نفس الوقت.
لقد تمادينا كثيرًا، وأجرمنا في حق أنفسنا أكثر بغض النظر عن الفوائد من هذه التقنية، فلقد أصبحت تدير حياتنا وتتحكم بها وبنا بدلًا من أن نتحكم نحن بها. سحقًا لفوائدها إذا كانت سببًا لتفريخ أجيال كرتونية بلا قيمة سوى أجساد خاوية بلا هوية ولا انتماء إلا ما رحم ربي.
كم هو محزن أن تكون وسط منزلك أو بين أصدقائك والصمت يطبق على المكان، وكل رأسه وعقله وتركيزه على تلك القطعة الحديدية الملعونة، ولو تسأله ما الذي تفعله يقول لك لا شيء. بس أفرفر.
الحال خطر والوضع مزرٍ، وليته يقف هنا، بل تعدى ذلك كثيرًا، فكم من أشخاص نعرفهم شغلتهم السنابات ومقاطع الفيديو الشخصية واللهث وراء زيادة أعداد المعجبين في قناته أو برنامجه لا لشيء سوى الفشخرة، وليت ذلك لمنفعة وهي قليلة هنا ولا ننكرها، حيث نجد بعض البرامج ذات القيمة الثقافية أو العلمية وهي نادرة وأصحابها يعدون على الأصابع وضائعون في خضم القيم التافهة والتي استحوذت على الأمكنة والأزمنة كما يستحوذ الشيطان على القلوب الواهنة الضعيفة والتي جنت على أنفسها بأيديها.
ما هو الحل؟ وكيف الخلاص وقد استشرى الداء وانعدم الدواء وأصبح العالم كله قرية واحدة كما يقولون ولكنها قرية بلا هوية!
ليتنا نبدأ من الداخل أولًا، من أسرنا وتوجيه أنفسنا وذوينا ثم مجتمعاتنا الصغيرة؛ مجالسنا وأصدقائنا، يجب أن نشعر بالخطر ونقف سدًا منيعًا أمام هذا التهاوي إلى السحيق، ولنعتبر ذلك شرًا لابد من اجتثاث مفاسده، والاكتفاء بما نحن ملزومون باستخدامه، كما أن علينا توجيه من يهمنا أمرهم صغارًا وكبارًا بدلًا من أن ترى الحبل على الغارب بلا اكتراث، ونحن نمني أنفسنا بأن يكون لنا أبناء وبنات تقر بهم أعيننا.
فكيف يكون ذلك ونحن لاهون عنهم وقد سلمناهم لعالم التقنية هو الذي يربيهم ويعلمهم أصول الدين وفروعه والواجب والحرام لنكتشف -لا سمح الله- أنهم اتخذوا الجوالات آلهة من دون الله، أستغفر الله!
والسلام.