أمي من فريق الأطرش (25)

في تخوم التساؤل حيرة أنفس وغلالة استفهام، صمت وفضول مستدام، لأوجه رقم فردي ليس كمثله وزن وتكرار، ذي سمت معنوي ومادي وحسي، تتقاذفه الألسن حفظًا وفخرًا وعزًا وتحذيرًا، ويلتزم به شرعًا، وله تبعات سلبًا وإيجابًا على مدى الأيام. مثقل بغمامة سحبه وصداه، أغمضت عيني وانجرفت حول سيطرة فعله في نسق الحياة، استهلالًا ومسيرة مضمخة وشعلة اتقاد.
منذ بواكير عهد الصبا شدني هذا الرقم الذهبي المتقلب بين تباريح الوجد والصخب والنوح والبوح. إيه يا رقم ثلاثة، أي سر فيك، وأي سلطة وسطوة لديك، وأي تاريخ تحمله وتلوذ به، في ثناياك كنز مباح ومشاع، أنت المفرح والمحزن والمشتهى والمشتبه في أمره، أنت رمز وترميز وإشارة وشرارة وإطلاق عنان، أنت نفحة محبة وخيال وإيمان، كم داهمتني تفكيرًا والعود أخضر، وألقيتني ما بين اليم واليباب، موجك مخاتل وجاذب، تهت وحرت في كنهك مكبلًا طليق اليدين سارحًا على قارعة الزمان.
أيقظني جرسك ذات صباح من أيام عاشوراء بعدما أسندت رأسي على عمود يتوسط حسينيتنا، وملا خليل أبو زيد مستفتح حديثه، بآية كريمة:
{قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا واذكر ربك كثيرًا وسبح بالعشي والإبكار}، وواصل تفسيره للمعنى المراد دون وعي مني إلا من ذكر النبي المقصود، لكن لفتني رقم ثلاثة، تساءلت في خاطري لماذا تحديدًا ثلاثة أيام وليس أربعة أو اثنين، هو صدى لتساؤل الخطيب ذاته مع تأكيد منه: "بأن هذه المدة لحكمة بالغة". حينئذ بدأت أركز على أبعاد رقم ثلاثة وأعدد استحضاره نطقًا واستشهادًا ومدى حضوره نصًا متواترًا ودلالة تثبت وأقوالًا.
حينما ينزل الخطيب من على المنبر يقف له المستمعون تحية وتقديرًا على مهجته المتفانية حديثًا ونوحًا، يصافحونه يدًا بيد، ويحيونه بعبارات قلبية "طيب الله أنفاسك" و"مأجور ومثاب" "لا غاب هالصوت"، ثلاث جمل رصدتها صغيرًا ثم حفظتها عن ظهر قلب وليس لي غيرها، قدر الإمكان ألقيتها على بعض الخطباء مقلدًا نهج الكبار.
حين ينزل الملا من على عتبات المنبر، يستريح قليلًا ومرات يهم بالخروج لإحياء مجلس آخر، لكن يظل خياله جاثمًا على المنبر وصدى صوته يتردد سمعًا وكأنه لم يغادر المكان، المنبر مرآة للخطيب به يعرف ويشتهر ويرتقي سلالم المجد، هو حارسه المؤتمن عليه، يتبعه كظله طوال مسيرة عمره.
لكم شدني شكل المنبر بتفصيلاته وطريقة تكوينه، المصنوع على أيدي نجاري البلد، الذين تفننوا في توظيف ألواح خشبية بجعلها تحفة فنية تزين مجالس الذكر.
يا ترى من المؤتمن جلوسًا على المنبر؟ هو من أدرك قيمة المنبر وعرف قدره، هو من اعتلاه بروح المسؤولية وحمل بين أضلعه شرف الأمانة. المحظوظ من صعد عليه بحب وشغف وأثر في جموع السامعين، وأخذ بمجامع القلوب كأنه ملك على عرش ينهى عن منكر ويأمر بمعروف، ينادي على خير، ويبرز محاسن، عبر علوم أهل البيت وإحياء عزائهم بيقين عقائدي راسخ "رحم الله من أحيا ذكرنا"، ورحم الله كل من أسس وأحيا وساهم في مجالس العزاء.
أي رمزية لهذا المنبر الذي تبارك بذكر الحسين والذي ينظر له بنوايا إيمانية لدى الأمهات حيث يقبلن بعد أن ينفض الرجال من المأتم يجلسن على عتبة المنبر وفي حضنهن طفل رضيع، تمسك واحدة منهن قلم "الگدو" وتمررنه بحركة خفيفة على رقبته يمينًا وشمالًا وهي تقول "باسم الله والله أكبر.. ثلاثًا" ويرددن الجمع "واحسين.. واحسين.. واحسين"، وهن يضربن بالكفوف على هامتهن، أحيانًا ينشرن ثوب أطفالهن عند العتبة الأولى للمنبر ويضعن قلم "القدو" عند رقبة "الدراعة"، ويمررنه ثلاثًا، لقطة تسمى "الذبح" إشارة تشبيهية تيمنًا بالمذبوح غدرًا وعدوانًا، ليبارك الله لهن في ولدهن، نوايا مصحوبة في الأساس بطلب حاجة ما، باسم الحسين وتحت ظلال بركاته، فعل عفوي رأيته صغيرًا في رحاب حسينيتنا، بعد أكثر من نصف قرن تلاشى ذلك المشهد وظل مرتميًا في دهاليز ذاكرة الأمهات وخصوصًا الطاعنات في السن.
للمنبر هيبة ومكانة، بتوسطه منتصف المجلس ويستحسن بوضعه نحو اتجاه القبلة، محراب المتيمين بذكر آل محمد والصلاة عليهم، كم نادى الخطيب من على متنه بعبارة مبهجة "عطر أفواهكم بالصلاة على محمد وآل محمد" يرفعون الصوت بمحبة غامرة كأنهم على قلب رجل واحد، ويضيف الخطيب: "رحم الله من أعادها ثانية وثالثة" ! صلوات ثلاث تتكرر في كل مجلس وعند كل قراءة.
للمنبر العتيق الذي تقادم عهده يثار الحنين ويتهادى سؤال بسؤال، عمن صنعه وكم من الوقت استهلك في إنجازه، ومن صعد عليه أول مرة، وكم عدد الخطباء الذين توافدوا بإلقاء قراءاتهم المباركة من على سطح المستراح، الذي يأتي بعد الدرجة الثالثة موطئ الجلوس؟
المنبر بتفصيله وحدود ارتفاعه، صنع في الأساس من أجل أن يرى الخطيب من بين الأنفس المحتشدة، وهو تقليد متبع منذ زمن الرسول (ص) ويعود أصل الكلمة: "إلى (نبر) معناها رفع، ومن نبر شيئًا فقد رفعه، وهكذا فالمنبر مرقاة الخاطب سمي منبرًا لارتفاعه وعلوه، وانتبر الأمير ارتفع فوق المنبر ".
ونظرًا لعلوه فهو يساعد على انتشار صوت الخطيب أكثر ويصل لآذان الحاضرين كما الماء ينحدر من عل ويتوزع، فالخطيب بأنفاسه العالية ينزل دمعات المستمعين وتنساب على وجناتهم بعد أن أحضر لهم جاذبية التضحية والفداء لسيرة سبط رسول الله العطرة.
ثمة عبارة مؤثرة موجعة يطلقها كل خطيب:
"الظليمة الظليمة لأمة قتلت ابن بنت نبيها"!،
أصحيح هؤلاء القوم قاموا بفعلهم الجهنمي الذي سود جزءًا من تاريخ صفحات الإسلام النيرة، أي جنون أصابهم وهم قريبو عهد من زمن النبوة، شيء لا يصدق عن فداحة الجرم الوحشي الذي قاموا به، أي الكلمات تليق بهم، فجار، أشرار، أوغاد، وحوش ضارية، مصاصو دماء، تعجز الكلمات عن وصفهم، فقد حركتهم أطماع الدنيا وغرورها، وزينت أفعالهم الشيطانية التي تفوق الخيال.
هو التساؤل الحائر لعجوز يحدث نفسه وهو قابع في زاوية المأتم والفنجان في يده يقلبه مع دندنة رأسه "ويش هالگلوب الگاسية اللي بتگتل، هو گتل النفس حرام، چيفة هالأمة گتلت ولد بنت رسول الله ويا أصحابه، ما جعلوا حرمة لأهل البيت، المذكورين في كتاب الله عز وجل، أي عذاب بيحل عليهم وأي نقمة بيلاقوها يوم المحشر"!
تساؤل يتردد صداه من لحظة المأساة سائرًا عبر الأزمنة إلى اليوم وغد.
أجواء الحزن تلف الطرقات، والمآتم تصدح بأصوات النعي، دروب الديرة تشهد حراكًا وحراكًا، تدافع لحضور المجالس، كل خطيب صوته مميز يعرف من بعد دون أن يرى، كل يطرح أحاديث ذات نفع وفائدة، وبلفتة منهم بإكمال نصف الدين، مسترشدين بكتاب الله وأقوال المعصومين حول أهمية تكوين أسرة ناجحة، ومحذرين في الوقت نفسه من مغبة نشوب الخلافات الزوجية ووجوب إخمادها فورًا، وعدم تفاقم اشتعالها مخافة حدوث ما لا يحمد عقباه، مفصلين كثيرًا حول أبغض الحلال عند الله "إخواني: وإذا تم الطلاق للمرة الثالثة، تحرم عليه زوجته وهنا الشرع يقف بالمرصاد، لا بد من محلل"!. مستشهدين بآيات الطلاق.
فهمت ولم أفهم، لأن عمري الزمني لم يتجاوز الثانية عشرة. سألت أمي بدافع الفضول "من هو المحلل"؟ أجابتني بتقريب الصورة إلى ذهني الطري "إذا طلق الرجال مرته أول مرة تعود له وحتى إذا طلقها مرة فانية بعد اتعود وتعيش وياه، لكن إذا طلقها المرة الفالفة خلاص تحرم عليه، تتغطى عنه ولا تجلس ولا تأكل وياه ولا تنام وياه في غرفة، لازم يتزوجها واحد غيره، وإذا أخذت رجل فاني وماستقام وياها، يعني طلقها، ورغب زوجها اللي طلقها بالفلاف يعود ليها، اهنيه تحل له، يقدر يتزوجها من جديد لكن بعد تمام العدة".
قلت لأمي بعد لحظات صمت: "ما هي العدة"؟ أجابتني "هي ثلاثة أشهر حتى يبين بأنها حامل أو مي حامل حتى لا تختلط الأنساب" ثمة تشويش في إدراكي، وأردفت لها بسؤال آخر"و ليش الثالثة حرام عليه"، ردت سريعًا بنبرة هادئة "يا ولدي هذا شأن الله في عباده وكل شيء مذكور في القرآن، إذا ختمت القرآن الفلافين جزء بتعرف عن دساتير الحياة ".
استعدت ما تعلمته حسابيًا بين الآحاد والعشرات والمئات كمبتدئ في الصفوف الأولى، إنها ثلاثة حقول، ومعلماتي أم شاكر السني وأم علوي الدعلوج كل واحدة تدعو لنا بختم القرآن كله "جعلكم ياوليداتي تختموا القرآن الثلاثين جزء على ايدي".
كتبت على غلاف مصحفي "جزء عم ذو الطبعة الهندية" رقم 3 وأمامها صفر يكاد لا يرى لكنه محسوس بقيمته وثقله على يمين الأرقام، دونت رقم (30) بأمنية وجدانية أن أختم الثلاثين جزءًا. تلونا كتاب الله فقد دلنا بأن رقم 3 جاء ذكره 17 مرة - 12 مرة على صيغة مذكر، و5 مرات لمعدود المؤنث، وكذا أسماء الله الحسنى 99 اسمًا وهي من مضاعفات 3.
أرسلني والدي لإتمام القرآن لمعلم ثالث أبو عبد آل درويش، لكن خيبت ظنه! وتولى بنفسه تعليمي كلما أتى من رحيمة مساء كل خميس. هي الشقاوة والتفلت وعدم الانضباط، بالارتحال إلى عوالم فريق الأطرش.
خارجًا من البيت متوجهًا لمدرسة تاروت الابتدائية (الغالي) أجرجر حقيبتي بتثاقل وملا جمال الخباز أطرق سمعي من حسينية أبو كامل الواقعة شمال الديرة والمتفردة بالقراءة اليومية على مدار العام، يشير إلى أهمية صيام التطوع، "يستحب للمؤمن صيام ثلاثة أيام من كل شهر كما ورد عن إمامنا الرضا (ع)".
بين الواجب والمستحب كحالة تطوع عند الكبار، كم يتعب الصغار من حل الواجبات المدرسية في المنزل، ذات مساء وعلى ضوء الفانوس، رحت أتأمل أنامل يدي اليمنى وفي يدي قلم رصاص، ثمة ثلاثة أصابع فقط ممسكة به؟ -الإبهام والسبابة والوسطى- ما الأمر في رقم ثلاثة وما الحكمة من ورائه، وبينما أقلب أصابع يدي رحت أسأل نفسي طويلًا ما سر هذا الرقم العجيب! وعلى مقاعد الدراسة يتباهى الرقم ثلاثة تباعًا وألقًا وبريقًا، ففي حصة "مادة الحديث ومادة المطالعة"، نسمع شرحًا مفصلًا من قبل أساتذتنا الكرام حول حالات الجفاء بين الأصدقاء أو وقوع الخصومة بين الإخوان، قال رسول الله (ص) {لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان، فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام}، دعوة إسلامية للصفاء وعودة الحياة إلى مجاريها.
وحديث آخر تلوناه حفظًا عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام {إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم، سلم عليهم ثلاثًا" انتباه وتأكيد وترسيخ، إن دلالة رقم ثلاثة وردت في جملة أحاديث نبوية شريفة!
قلبت فكري المحدود، ما السر في الثلاثة؟
ودهشت من سطوة الرقم حينما حذر ذلك الشيخ من ضرر الاختلاط "ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما"! وهنا كأن الرقم مدنس، وبعيدًا عن النهي والتحذير ومضامين الأحاديث بمقاربات نصوصها، فإن رقم ثلاثة له حضوره في الأنثربولوجيا، كأنه كائن متقلب بأوجه عدة، مشحون بطاقة روحية عجيبة، ضارب في عمق الأزمنة والتاريخ، متغلغل في الأديان، ورد ذكره على ألسنة الكهان والسحرة، مبجل بالتقديس وقراءة البخت وعلم التنجيم، مخلد في الأساطير.
كم شنف الخطباء الأسماع بحديث أمير المؤمنين: "للمؤمن ثلاث ساعات، فساعة يناجي فيها ربه، وساعة يرم معاشه، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذتها فيما يحل ويجمل".
وما أجمل النفوس المعزية في توادها وتراحمها فالطيبة سماحة وجوه، وإخلاص بتعظيم الشعائر، فالبراءة ظل لها.
صغار جالسون على درجات حسينية عائلة آل محمد حسين بالديرة وبعد أن فرغ الملا الغراش من مصرع يوم عاشر، دار شرح ووصف بيننا حول شكل السهم المثلث ذي الثلاث شعب الذي رماه حرملة على كبد الإمام الحسين، رحت أتأبط فنًا، راسمًا شكل ذلك السهم على راحة يدي، والأصدقاء برير الزين يخطط بعود على رمل الطريق وكريم ونضال محمد حسين أبناء عمتي يرسمون أشكالًا أخرى، كل واحد منا خطط السهم حسب تصوره، تجادلنا في ظل أجواء المصيبة وتساءلنا لماذا السهم المثلث صنع لقتل الإمام الحسين! استفسار مزفور بالونات.
وما أوجع ذلك العزاء الذي سمعته أول مرة في مسجد الرفعة عصرًا بعد أن فرغ ملا حجي عبدالله المبشر من القراءة، حيث يتجمع الشباب بالجلوس على شكل حلقتين، وكل واحد يرفع يديه ويهويها ضربًا على صدره بلطمة جماعية، عزاء حماسي متبادل بين الفرقتين كل واحدة تخاطب الأخرى، لقد أدخلوني في النحيب والتوهان العجيب حول رقم ثلاثة، تقول الفرقة الاولى: "حسين لأجل الدين ضحى بكل هله"، ترد الثانية " ظل ثلته أيام ما حد غسله".
نقلت إلى أمي ذلك العزاء متسائلًا، فأجابتني: "جسد الإمام اندفن بعد اليوم الثالث في كربلاء، والرأس الشريف طافوا به الشام بعد شماتة العدوان" زفرت آهات وهي تندب "ظل جسد الإمام مرمي على الرمضاء فلافة أيام" راحت تبكي وبكيت معها متدثرًا بالحزن والدمع والأسى، أتمتم، يا لك من زمن موحش ورقم موجع.
ليت العمر يعود بي حين طرق سمعي ملا خليل لأول مرة "آيتك ألا تكلم الناس ثلاثًا"، اختلاجات أنفس ولحظة الميلاد عزيزة على كل فرد، فقد كلمت الناس صراخًا لأول مرة حين أبصرت النور في الشهر الثالث من السنة الهجرية، صباح يوم 20 ربيع أول 1380هـ، تفاءلت والدتي بشهر ربيع، فهو إعلان، بمقدمي كأول مولود تنجبه، حينئذ أصبحت أمًا.
بعد أن شب عودي عرفت الألوان الأساسية "الأحمر والأصفر والأزرق"، ومنها تتفرع جميع الألوان، تعلقت بها مندهشًا من بريقها وجلال صنعها، تلبسني سحرها الثلاثي تلوينًا وتعبيرًا وذائقة، وثمة خربشات رسم بين الوجبات الثلاثة.
ومن مراتع الصبا تسابقنا عبر ظلال الحارات وبين دروب البساتين وساحات المدرسة جريًا وعلامة الانطلاق العد من الواحد إلى الثلاثة، والمتوجين في المسابقات الرياضية يشار دائمًا للفائزين الثلاثة.
وعلى مسرح الحياة كل منا رأى وسمع وقرأ طائفة من الثلاثيات عبر أحاديث متواترة وأقوال مأثورة وأمثلة شعوب، تتمركز (لا) في ثناياها لتخبر المراد عن فحوى القول:
1- "ثلاثة أشياء لا يمكن العيش بدونها: الهواء والماء والأكل".
2- "ثلاثة أشياء لا تعود: الكلمة إذا خرجت، والزمن إذا مضى، والثقة إذا ضاعت".
3-" ثلاثة أشياء لا يمكن إخفاؤها: الشمس والقمر والحقيقة ".
وأخرى يأتي الفعل المضارع مسترشدًا للمعنى:
"ثلاثة يذهبن الحزن: الماء والخضرة والوجه الحسن".
وأخرى يذهبن الضجر وأخرى يذهبن الغنى.
وقيل سعادة ابن آدم في ثلاثة وشقاوته في ثلاثة: الزوجة الصالحة، والمركب الصالح، والمسكن الواسع، وعكسها ثلاثة: المسكن السوء، والمرأة السوء، والمركب السوء".
وغيرها من الأقوال ذات التركيبة الثلاثية، الملموسة والمدركة والتي نسجت من وحي التجارب المعاشة، وأخرى متخيلة، كالمثل الفنتازي الذي يخبرنا بأنه لا وجود للمخلصين في الحياة: "أيقنت أن المستحيل ثلاثة: الغول والعنقاء والخل الوفي".
تلك أسطورة من أساطير العرب، تصور كائنين خرافيين صنعهما الخيال وضمنهما الثالث بشرًا، وهو المقصود من القول، بمعنى استحالة وجوده في الحياة، فهو يماثلهما تصنيفًا، لكن الأخير محل جدل، فالأوفياء موجودون في حياتنا بتفاوت، إذن، ما سر حزننا على فقد الأحباب! إن ذكرى الراحلين موجعة، فأيام الفاتحة على روح الميت ثلاثة، وللضيف ثلاثة أيام ضيافة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: {من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليطعم ضيفه} والضيافة ثلاثة أيام ولياليهن، فما فوق ذلك فهو صدقة. وبعد ذلك يسأل الضيف عن حاجته؟ وما حاجتنا في هذه الدنيا؟ قال العارفون: "الدنيا ثلاثة أيام، الأمس: عشناه ولن يعود، واليوم: نعيشه ولن يدوم، والغد: لا ندري أين سيكون، فـ(أنا) و(أنت ) و(هم) كلنا راحلون ". نحن مرهونون في الدنيا إلى ثلاث محطات: ولادة، حياة، موت.
قال النبي صلى الله عليه وآله: {إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، أو صدقة تجري له، أو ولد صالح يدعو له}.
وهمسة ثلاثية من والدتي استجمعتها من ضمن أحاديثها المطولة والمتداخلة: "يا ولدي كل واحد رايح من هالدنيا لاتشيل في قلبك على أحد، سامح وصافح وصالح". إيه يا رقم ثلاثة إخالك كائنًا حيًا حللت في نسيج كيانات البشر، أسألك عن وجه العالم عند نهاية الألفية الثالثة بعد الميلاد كيف سيكون؟ وهل صحيح اكتشفنا سرك في الوجود! من عقل فيثاغورس وإقليدس، مرورًا بعقول الفراعنة، وأسفار العهد القديم؟ وجميع الديانات السماوية. أم لمفسري للأحلام رؤية تفاؤلية أبعد مدى بحضورك في المنام، من حلم بك سيحقق المراد وهو ذو حظ سعيد، وبأن الرائي سيتحقق له خير كثير، أم أنت مجرد رقم، كلا، أنت ترى في سنن الحياة مطلبًا، همزة وصل (حبًا) بين ذكر وأنثى، يحيا ثالثًا بين قلبي الزوجين.
في الحلم واليقظة، في الغدو والرواح وبين الصمت والكلام، وبين المرئي وما وراء الطبيعة، تجليت يا رقم ثلاثة في الجسد والنفس والروح.



