الهندسة الثقافية وصناعة التغيير

منذ عشرات الآلاف من السنين، جاء الإنسان إلى الحياة مختلفًا عن بلايين الكائنات الأخرى. ويكمن سرّ هذا الاختلاف في قدرته الفائقة على الكلام وتكوين عدد لا نهائي من الألفاظ من أبجدية لا تزيد عن 28 حرفًا. هذه القدرة العجيبة لم تتطور تدريجيًا من حيوانات سابقة كما يدعي دارون في نظرية التطور، بل ظهرت فجأة مع وجود الإنسان (راجع محاضرة عالم اللغات المعاصر نعوم تشومسكي).
استطاع الإنسان بعد ذلك الكتابة، وبذلك تمكن من أن يترك إرثًا فكريًا وثقافيًا شمل الأديان واللغات والفنون والآداب والقيم والعادات. إنه الاستعداد التكويني للتواصل مع بقية البشر لبناء الحضارة وإعمار الأرض وحمل الأمانة.
الفرد ابن المجتمع:
يولد الفرد دون اختياره، ليجد نفسه في أسرة معينة تتحدث لغة معينة وإرث ثقافي وديني معين ومستوى معيشي معين في تاريخ معين، فمن ولد في أسرة غنية تتحدث اللغة العربية في الأندلس حيث الدين الإسلامي واللغة العربية، يختلف عمن ولد في أصقاع إفريقيا من أسرة بدائية تعيش على الصيد والرعي.
يولد الطفل ويشرب ثقافة أسرته مع حليب أمه وهمس أبيه، فيتحدث لغتهم ويتشرب بقيمهم، ويعزز علاقته مع أبناء مجتمعه الصغير في المحلة التي يعيش فيها والمدرسة التي ينتسب إليها.
ويتجلى الضمير الجمعي الذي يمثل القيم المجتمعية كحارس يضمن استقرار المجتمع الفكري وتجانسه الثقافي. هكذا تترسخ هذه الثقافة الجمعية في فكر الفرد حتى يتبناها بكل قناعة وثقة فيدافع عنها ويستغرب سؤال الآخرين وجرأتهم على معارضتها.
في الأغلب الأعم، يعيش الناس ثقافة آبائهم وتاريخ أجدادهم، وقليلًا ما يتجرأ البعض على السؤال عن سبب هذا ونتيجة ذاك، {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون}.
الإبداع الفردي:
عرف التاريخ الكثير من المبدعين الذين أسسّوا مشروعات فكرية رائدة ومناهج ثقافية جديدة استطاعت أن تنقل مجتمعاتهم إلى مستويات رائدة، لم تكن لتتحقق لولا صلابة هؤلاء المفكرين وعزيمتهم الراسخة. وعلى العكس، عرف التاريخ أيضًا انحرافات خطيرة نتيجة تبني أشخاص معينين أفكارًا مغلوطة تركت ندوبًا خطيرة على وجه البشرية إلى يومنا هذا. إذن، بالرغم من الأثر الكبير الذي يطبعه المجتمع على ثقافة الفرد، يبقى هناك متسع كبير ليمارس فيه الفرد دوره ومشروعه الفردي إيجابًا أو سلبًا.
والسؤال، كيف يمكن لهذا الفرد المحدود القدرات أن يصنع تحولًا كبيرًا يؤثر على مستقبل البشرية؟ هل هناك أسلوب أو طريقة يمارسها هؤلاء المبدعين لإقناع الآخرين بأفكارهم؟ هذا ما أسميه الهندسة الثقافية.
الهندسة الثقافية:
هي تلك الأساليب الماهرة التي يمارسها المفكر الصالح أو المنحرف لنقل أفكاره وقيمه وثقافته إلى أذهان الآخرين، ضمن جو عاطفي جذاب يهيمن على قلوبهم، حتى يتبنوا أفكاره وقيمه ويمارسوها في حياتهم بصورة عفوية وكأنها بنات أفكارهم. هذه الهندسة الثقافية أداة يمكن للمفكر الصالح أن يستفيد منها كما يمكن للمفكر الفاسد أن يستخدمها.
إذن، تحتاج الهندسة الثقافية إلى ثلاثة أمور:
1) وضوح الأفكار والثقافة المطلوب تبنيها وسهولة نشرها.
2) استخدام أساليب جذابة للشحن العاطفي حتى ينبهر الأخرون بها.
3) تلميع الشخصيات التي تعيش الممارسات لتصبح قدوة لأفراد المجتمع.
المثال الإيجابي للهندسة الثقافية:
إن أعظم مثال للتغيير الإيجابي مرّ على البشرية هو ما صنعه النبي محمد ﷺ منذ ولادته وبعد بعثته وحتى وفاته، فكيف تم ذلك؟
كان في قريش السادة الكبراء أصحاب النفوذ والجاه والسطوة الذين يستفيدون ماليًا من عبادة الأصنام والممارسات اللا أخلاقية، وقد أحكموا سيطرتهم على مفاصل النفوذ في مكة فملكوا العبيد وسيروا القوافل التجارية واعتزوا بنفوذهم. فمثل هؤلاء لا يمكن أن يقبل بهزّ الممارسات اللا أخلاقية أو نقدها؛ لأنها تشكل خطرًا على مصالحه ومكانته الاجتماعية. لذا كان الضمير الجمعي لمجتمع قريش وكبرائها وسادتها يراقب تصرفات أهل مكة ويحكم عليهم بالامتثال وعدم النقد.
في هذه البيئة، ولد النبي محمد ﷺ في بني هاشم الذين عُرف أغلبهم بعبادة الله على دين إبراهيم الخليل -عليه السلام- فهم سادة البطحاء، وخير مثال على ذلك هو موقف عبد المطلب في عام الفيل. ولد محمد ﷺ يتيمًا فكفله جده عبد المطلب وبعده عمه أبو طالب، وبانت عليه الاستقامة الخلقية فعرف بالصادق الأمين وعزف عن مجتمع قريش الذي يعبد الأصنام ويشرب الخمر و يئد البنات.
عاش في قريش لكن بأخلاقه هو، فصان شخصيته عن ممارساتها، وسما بنفسه عن مساوئها وهو يفكر في نشر المبادئ الصالحة. أخذه هذا التفكير العميق والارتباط بالله تعالى على دين إبراهيم الخليل -عليه السلام- إلى العبادة الروحية بعيدًا عن صخب قريش في فترات معينة من السنة وكأنه يستعد لصناعة التغيير العظيم. حتى أذن الله بالبعثة النبوية فبدأ في تبليغها، وكانت أدوات الهندسة الثقافية حية موجودة ومؤثرة؛ فعنده:
1) الفكر التوحيدي الذي يوافق الفطرة مقارنة بمئات الأصنام التي لا تسمن ولا تغني من جوع. هذا التوحيد يبشر بالعدالة الربانية فلا فضل لسيد قرشي على عبد حبشي إلا بالتقوى.
2) الشحن الروحي والتعلق القلبي الذي حوّل التوحيد إلى حياة جديدة يضحي من أجلها العبيد والأحرار فتتحمّل سمية وياسر التعذيب حتى الموت دون تغيير المبدأ.
3) الشخصية القدوة والمثال الحي والقلب الرحيم والرأفة الإنسانية التي لمسها الجميع من النبي محمد ﷺ، فقد ملك قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم. إنها "كاريزما" السماء، لبسها أفضل مخلوق وأعظم إنسان.
لم تكن هذه الهندسة الثقافية سهلة ميسورة فدونها المقاومة الشرسة من عتاة قريش وإغرائهم المالي ودعايتهم المضللة، لكنها انكسرت جميعًا على صخرة الشخصية العظيمة للنبي محمد ﷺ وقوة فكره التوحيدي وحرارة شحنه الروحي.
جميل أن نتأمل أيضًا في هندسة النبي الثقافية لمجتمع يثرب، وكيف آخى بين المهاجرين والأنصار وكيف أسّس المجتمع المدني، بالرغم من الصعوبات والتحديات الاجتماعية الكبرى حتى جاء الفتح العظيم ودخل الناس في دين الله أفواجًا. وها نحن اليوم نعيش آثار هذه النعمة العظيمة ضمن ملياري مسلم يشهدون ليلًا ونهارًا أنه لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
المثال السلبي للهندسة الثقافية:
لا يغيب عن القارئ الكريم، الهجمة الثقافية التي يمارسها الغرب بهندسة ثقافية ماكرة ومؤثرة، ويهدف منها إلى استمرار سيطرته وسطوته العالمية وتحقيق مصالحه، والتي لا يمكن أن تتم إلا بالسيطرة التامة على عقول الآخرين وهندسة هوياتهم وثقافتهم حسب الهدف المطلوب. لذا، فعّل الغرب عناصر الهندسة الثقافية الثلاثة مجتمعة:
1) تصدير المغالطة الفكرية المفضوحة بأن الدين قرين التأخر، وأن المادية والتحرر من القيم الاجتماعية والأخلاقية هو السبيل الوحيد للحاق بعصر العلم والتطور والحداثة. ويشمل هذا نشر أبحاث نفسية واجتماعية تمجد النظرية الغربية في تقدير الذات وتحقيق طموحها المادي وكسب التقدير الاجتماعي على حساب الأهداف الروحية والمعنوية.
2) الوعد الكاذب والشحن العاطفي بالسعادة التي تتمثل في بريق الرفاهية والاستهلاك والتطور وتحقيق اللذات الغريزية، عبر الأفلام ووسائل التواصل والألعاب التنافسية.
3) إبراز شخصيات من الأثرياء والمشاهير كالممثلين واللاعبين وعرض جزء من حياة بعضهم الشخصية المنحرفة، والإيحاء بأنهم قد ملكوا الثروة وحققوا السعادة ليكونوا مثالًا يحتذي به الأبناء والبنات.
هل ينجح الغرب في هذه الهندسة الثقافية؟ وماذا يمكن أن تقوم به مجتمعاتنا لمقاومة هذه الهجمة الشنيعة؟ وهل نستطيع أن نستفيد من أدوات الهندسة الثقافية لنشر الخير والصلاح في أرجاء المعمورة؟
أترك هذا التساؤل للتفكير والتأمل من القارئ الكريم، راجيًا أن يتمعن ليرى التطبيقات الكثيرة للهندسة الثقافية التي يجب علينا كأفراد أن نمارسها، لنزرع الخير في أسرنا ومجتمعنا، والحمد لله رب العالمين.



