لكنَّها لم ترحل «18»

الفراغ العاطفي، يُصير القلب بلا نبضات، تتبلد المشاعر مع مُرور الوقت، يأخذ الحياة الأسرية إلى مُستنقع لا يُمكن الخُروج منه إلى الراحة والاستئناس، الطمأنينة والاشتياق.
ياسمين تبكي، وتسأل نفسها بألم: لماذا تغير إبراهيم؟ لماذا مُعاملته أصبحت جافة معي؟
تئنُّ بحسرة المُشتاق إلى الراحة.
تنظر إلى لوحة حنان، التي قدمتها هدية زواجها، وهي تختنق بعبرتها.
لم يعُد يشتاق لي، كسابق عهده، حتى في الإجازة الأسبوعية، يُسارع إلى الخُروج من الشقة إلى الديوانية، ليجلس مع أصدقائه في المساء ولا يعُود إلا مع بداية الفجر، مما يجعلني أطلب من أخي أن يُوصلني إلى الشقة، حيث أقضي اللّيل في بيت أهلي.
ما بي أحدث نفسي؟ هل أصبحت أعاني من مُشكلة نفسية، أيجب عليّ التوجه إلى عيادة الأمراض النّفسية، أم هذا مُجرد حديث نفس؟!
تتعمد ياسمين عدم إزعاجه، فلا تقُوم بأي شيء، يجعله يحسّ بأنّها مُتذمرة من خُروجه المُستمر، وتجاهله إلى حقها بمنحها الجزء المُهم من هندسة الأجزاء في حياته، لعل وعسى، يقرع جرس التنبيه ذاته وعقله، ولكن لا سبيل من حل، ليبزغ في الأفق.
أقسى ما تشعر به المرأة ألا يُوليها زوجها الاهتمام، ولا يُغدق عليها عاطفته، الاهتمام لون من ألوان العشق، المرأة، تتنفس كينونة شخصيتها، وتتكامل من خلاله، فكيف لها أن تعيش ضمن هذه الجُدران، التي ترثي حالها، وتُقاسمها وحدتها؟
تطورت العلاقة بين ياسمين وإبراهيم من السّوء مداه الأوسع، مما جعلها دائمة الشّجار اللّفظي، أو الصّمت المُفرط، والابتعاد عن أي لقاء بسبب عدم تقبل إبراهيم فكرة أن يعرض نفسه على دكتور، لمعرفة السّبب تأخر الحمل لدى ياسمين، حيث إنّها لم تعد تستطع غض الطرف عن نقاش الموضوع معه برغم تعمُده تجاهلها، وبرودة تفاعله.
كأيّ أنثى بعد زواجها تتوجس من مُرور الوقت، كانّما عقارب السّاعة تنهش في جسدها ورُوحها.
مرّ عامها الأول منذ زواجها، ويقترب من الانتهاء، لتدخل في صراعات عامها الثّاني.
يستخدم إبراهيم ما يُتقنه الكثير من الرجال في تعاملهم مع غضب المرأة في احتياجاتها المُلحة، وهو تمرير الموضوع من خلال أسلوب التّجاهل التسكيت.
دائمًا يقول لها في أيّ حديث يدور بينهما في هذا الشأن: لم يحن الوقت، سيكتب لنا الله في الأيام القادمة، كوني مُتفائلة، لم يمض الوقت، الصبر مفتاح الفرج. يقُول إبراهيم.
أصبحت الإجازة الأسبوعية بالنسبة لها وقتًا لا ترغب في قدومه، لا تأنس في قضائه، لا تشتاق إليه؛ لأنّه دائم الشُرود، لم يعُد، كسابق عهده، يُسكب عليها حنانه، وعطفه، لا يُشاركها الحديث إلا من وميض كلمات لا تتجاوز علاقة الإنسان بآخر، يجلس معه في نفس المكان.
كانت هذه الأيام، التي تقضيها معه، تعيش الغُربة في وجوده، تتكوّر على ذاتها، تهرب منه نفسيًا، تُجاهده عبر الاستغراق في ذاتها، لتأنس بتلك السّيناريوهات، التي تزرعها في عالمها التّخيلي، لعلها تشعر بالراحة، التي تهفو لها، لتُعبر عن خلجاتها المكبوتة، وأحلامها، التي تُثقل كاهلها يومًا بعد يوم.
اشتاقت إلى كلماته، أرادت أن تسكب على حرارة قلبها قطرات ماء بارد، تناولت هاتفها النَّقال، وسافرت برُوحها إلى عالمه الجميل، الذي يتقاطع مع لغتها، وأنفاسها، فتحت عينيها الواسعتين بملء اتساع آلامها، وقرأت ما خطه اليراع.
وتبقى الحياة في رشحات النَّفس لطفًا، لا نُدرك كنه فلسفته، فاقرأ من الأبجدية كلّ المعاني الدّفء، لترمق في العينين براءة الحسّ، ونقاء المرآة في عينيّ الجاحظتين بي.
أحست بدمعة ساخنة، تُريد أن تهرب من عينيها، لتتدحرج على خديها، علها تُسكب وجعها شيئًا من الغياب، لتغرق في ذاتها، ولا تشعر بهذا الواقع المُر، الذي تعيشه.
تقرأ في انقطاع سوى من أنينها.
لا شيء سوى أن تغرق في ذاتك، وتكون وحدتك الأشهى لديك عن كلّ الأشياء. ما بالنا، ونحن نحزن، نُقلم أظافر الوقت، ونستريح على ضفتيه.
ما بيني وبينكِ مسافات أحلامنا الظّمأ، نستبق الرّمال على وهج اللّقاء، نُلملم شتات أوجاع غُربتنا، نقف طويلًا عند الشّرفة، نُعانق أصابعنا، نُبصر الشّوارع، المارين على الذّاكرة الحُبلى بنا.
بي ضياع في وجنتيكِ الحمراوتين، في اشتهاء أنفاسكِ العبقة، ورائحة الياسمين في فُستانكِ الذي أهواه، يتلبسني، كآهاتي بكِ.
في الشّوق الذي لا يستريح في ذاتي، يُشعلني، يُطفئ ملامح الأشياء إلا ملامحكِ، كالمرايا، أبصرني في عينيكِ امتلاء لهفتي بكِ.
هطل المطر، يُبلل تفاصيلكِ فيَّ، لأرقص في الظلّ، لأنشد الألحان شعرًا، فيها ترقصين على نبضات الكلمات، ونبضكِ الرّطب، يحتضن ضوء الشّمس الخافت، وزقزقة العصافير، وحفيف السّعيفات، لأغفو على مصميكِ، أغمض عينيَّ، لأغرق في همساتكِ الهادئة.
أدسّ الوجع المُغري في شفتيَّ، أبوح باللاشيء، من ندبات وجنتيَّ، أشعل فانوس غربتي، الضّوء يتثاءب، وعينيَّ لا تستفيق من نُعاس رمشيكِ.
ما هذا الشيء في ملامحكِ، وميض من النّعاس، يُسكبكِ جمالًا، كأنَّما الحياة، تستريح على افتراش سواد عينيكِ، تُهدهدها، تُصافحها على أمل، يُشعله اللُقاء.
قذفت هاتفها النَّقال بعيدًا، تبكي من حسرتها، وتعُود الأسئلة، تخترق فكرها، وتبحث في ملامح إبراهيم عن الأجوبة، تستنطق غيابه، وحُضوره، صمته، ونُفوره، لا جواب، وضعت أصابعها على لوحة حنان، وتُنادي عليها، أينكِ يا حنان؟
هاتفها النَّقال يقطع عليها الغياب ليُخبرها بأنَّها لاتزال الأشياء ممن حولها، لها واقعها، وضعت يديها على الأريكة، تناولت الريموت كنترول، منحت التلفاز فسحته، لتُصغي إليه، وتُبصره.
كيف حالك ياسمين الروح؟ تسأل حنان.
الحمد لله، مازلت أتنفس يا حنان. تُجيبها ياسمين بارتعاش نبضاتها.
يبدو أنَّكِ ليس على ما يُرام!
نعم، أحتاج إليكِ، لي رغبة جانحة بأن أبوح، الاختناق، يقتات من أنفاسي رماده.
حسنًا، سأكون في شقتكِ خلال نّصف الساعة، كوني بخير إلى حين وصُولي.
سأكون بخير، في انتظاركِ.



