وجوه لا تنسى/ الحاج محمد آل درويش «البائع المجتهد البسيط»

العلاقة بيننا وبين الدكاكين "البقالات ومحلات البيع الصغيرة" علاقة كبيرة وحميمة فكيف يكون الحب والود دون أهلها الطيبين؟!
قبل أن أبدأ في الكتابة عن شخصيتي وهو أحد أصحاب تلك الدكاكين فلتسمحوا لي أن أتطرق قليلًا لتك الروح التي فقدناها في الأفرقة مفردها فريق فقد عاصرناها وعشنا بها وبعض هذا الجيل يبدو أن هذه الكلمة ليست غريبة عليه إلا بعض الشيء، ولكن هنا أكتب عن تجربتي وتجربة من سبقني في تلك الفترة الجميلة حيث الفرقان "الفرجان" العتيقة لبلدتي الحبيبة القديح التي تتكون من 4 أفرقة.
في ذاكرة كل منا أحداث لا تنسى منذ الطفولة إلى الآن، ففي كل فريق لوحة فنية تشرح تضاريسه ومعالمه المكانية وظروفه الزمانية، ولهذه الأفرقة دكان وشخصية تعرف بها وهذه المواقع كانت بمثابة "السوبر ماركت" الذي يمول الأهالي ولم يكن بالمعنى المعاصر بالتأكيد فقد كان مختلفًا ويكفي للاحتياجات من مواد غذائية وأدوات المطبخ وبعض الملتزمات المدرسية و..، و..، و..، إلخ.
ولهذا ركزوا في الذاكرة ولم تغب شخصياتهم الطيبة عنا، فقد كان في فريق الشمالي "يقع من جهة الشمال للقديح" رجل يملك دكانًا صغيرًا في بيته كسائر المحلات التي يباع بها بضائع تلك الفترة؛ إنه المؤمن الحاج محمد بن حسن بن علي بن سلمان آل درويش ولد في القديح عام 1355هـ، تدرج محل سكناه من العيش في نخيل الذي كان يحد منزله الحالي فقام بشرائه من عائلة الخويط.
توفي والده وهو في سن مبكرة قرابة الثلاث أو الأربع سنوات، عاش يتيمًا فاهتم بتربيته عمه الحاج المرحوم عبد الله وأخوه الحاج المرحوم علي، وله أخ من أمه الحاج قاسم بن مهدي آل عبيد، ومن الأخوات من أمه أيضًا سكنة وزهرة وطيبة، أصيب بداء الجدري والذي أدى لفقدان بصره، وبعد بلوغه سن العشرين امتهن البيع وتزوّج من عقيلة الحاج أحمد بن حسين الدعيبل وأنجب منها أربع بنات وسبعة أبناء ويكنى بأبي عبد الخالق.
تعلّم الخطابة عند الخطيب الحسيني الملا هلال حميدان -كتبت عنه سابقًا- درس وقرأ بين يديه المقدمة مرارًا، ولعسر المعيشة قنن القراءة متجهًا باحثًا عن قوت عياله، ازداد توسع الرزق والبيع في تجارته في سن السادسة والعشرين وصار من تجار بيع الكاز "الكولسين" للدافير والفوانيس التي كانت تستخدم قديمًا في المطبخ وبدل الكهرباء، وهو من أوائل من باع الثلج بالكيلو، واستمر في تجارة المواد الغذائية والتتن بعد دخول الكهرباء والغاز للمنازل.
هنا خيالي يوقفني لأكتب خاطرة عاصرتها وعاصرها أغلب جيلي، حيث كان هذا الحاج الدرويش يبيع قوارير البيبسي والكوكا كولا بشكل كبير وكنا نهيم بالشراء منه للقارورة الباردة نشرب نصفها ونصفها الآخر نرشه ونتقاذفه على بعضنا بمعارك بريئة شقية "نضع أصبع الإبهام في فوهة الزجاجة ونخضها ومن ثم نزيل الأصبع بعدما نحس بفورانها ونركز على اللعب الذي يتلقى هو بدوره المياة الغازية الفوارة".
وهذا المؤمن أبو عبد الخالق يصرخ بصوت النصيحة قائلًا: حرام هذا نعمة الله، ونحن بالمقابل نسكت فترة ونعود وهكذا كانت حياة الفرقان القديمة، وكلما زاد اللاعبون زاد شراء تلك القنينات الزجاجية ويعتبر هذا المحل مكان تجمعنا ولعبنا وتعارفنا فقد ارتبطت تلك الأماكن والمحلات بطفولتنا وأجزم بأن هذه الظاهرة لا تزال معلقة في نفوس جيلي ومن سبقني إما أنه يذكر صاحب محل أو صاحبه.
كان يحب العلم والعلماء مثابرًا لمجالستهم والسماع منهم والالتحاق بالمجالس الحسينية والتزامه بالزيارة للأئمة الأطهار عليهم سلام الله، فقد أدخل أبناءه المدارس الحكومية كما أدخل بناته الكُتّاب "المعلمة" تعلم القرآن والفخري وعلى حسب من نقل لي وأثق به عند المعلمة الحاجة "أم حاتم الجنبي" وكان عونًا لهم حتى آخر حياته.
والجدير بالذكر أنه كانت له رحمه الله قوة هائلة في معرفة الحسابات الضريبية والقسمة والجمع بالأعداد الكبيرة والصغيرة بحكم مهنته، وعلاوة على ذلك كله كان له صوت شجي في النعي عن أهل البيت عليهم السلام، وفي نهاية عام 1414هـ، ظهرت عليه أعراض التهاب الكبد الوبائي وأصبح يعاني منه حتى فارق الحياة في 1418/12/29هـ.
رحمك الله يا أبا عبد الخالق أيها الرجل الطيب الذي كنت صاحب هذه المهنة وهذا المقر الذي استفدنا منه الكثير من المشاهدات والصور الجميلة التي لا تنسى، أجل كبار السن الذين كانوا هناك يجالسونك نرى ونسمع حديثهم الشيّق وأخبار الديرة على كل النواحي، ونرى النساء الكبيرات اللاتي يهمن بصفاء الروح، ورأينا الموظفين والعمال كل على مسعاه في ذاك الطريق الذي يلامس دكانك، ومازلنا نتحسر على تلك الأيام التي حرصنا على الوفاء بالموعد للقاء زملائنا لنشاكس، ولا أنسى صوت المذياع ونشرة الأخبار وكل هذا رائحة القدم وعتق الطاولة التي ارتكز عليها "كراتين البسكويت" المختلفة الأنواع، فسلامًرا على روحك ورسم وجهك المتعب وجهدك الجميل وأسكنك الله فسيح جناته.




