هزيمة فرنسا.. أبرزت الوجه القبيح للعنصرية

في البدء وقبل الدخول في صلب الموضوع أحب أن أوضح نقطتين؛ النقطة الأولى: حول تسمية موضوعي السابق المعنون بـ"راقصو التانغو يذبحون الديوك"، بعد نشر المقالة مباشرة خاطبني بعض الإخوة الكرام حول العنوان وتحديدًا كلمة، "يذبحون" قائلين بأنها كلمة قاسية، وغير موفقة وليست في محلها، وآخرون اقترحوا استبدالها بكلمة أخرى، تقبلت رأيهم واحترمت وجهة نظرهم ثم أوضحت لهم الأمر قائلًا: يا أعزائي، الكلمة مجازية، لأن رمزية المنتخب الفرنسي أو شعارهم المطبوع على قمصانهم هو رسم لديك يقف شامخًا وكأنه يصيح بأعلى صوته، فجاء العنوان كمقاربة لفظية بأن هذا الرمز المعروف به المنتخب الفرنسي في لحظة زمنية أي بعد فوز الأرجنتين عليهم تلاشت صورة الديك أو توارت عن الأنظار ولم يعد يسمع صياحه، والقصد الذبح شكلًا ليس إلا، شيء معنوي، وسوف يظل شعار المنتخب الفرنسي هو الديك، مثل كثير من المنتخبات، التي تخاطب بأوصاف أو أسماء منتقاة، نسور وأسود وطواحين وكنغر وماتادور، وماكينات إلخ.
ومن بين المسميات المتعددة أشبعت الصحافة والإعلام تعليقات ساخرة وأخرى رنانة في ديباجة عناوين مشتقة من تلك الأوصاف سواء للفرق الرابحة أو الخاسرة في المونديال، عناوين جاذبة تلخص معاني الإقصاء أو الارتقاء في بضع كلمات نوعية، تمامًا حينما فازت السعودية على الأرجنتين كتبت القناة الفرنسية، تلفزيون فرانس 24 تحت الشاشة، خبر عاجل وباللون الأحمر: (المنتخب السعودي يصعق المنتخب الأرجنتيني) ومعلوم ما طبيعة الصعق ونتيجته على أرض الواقع، لكن هذا توصيف رمزي وذلك من أثر هول المفاجأة، مجرد صياغة لفظية تمثل غرابة هزيمة التانغو غير المتوقعة. وضربت مثلًا بالمثل العربي الشهير "تمخض الجبل فولد فأرًا" موضحًا معناه حسبما هو مفسر، ومتسائلًا هل الجبل الشامخ الجامد يلد؟ إنما هي صورة مجازية.
وثمة تشابه لعنوان مقالتي المتواضعة، فحينما نشرت في «القطيف اليوم» بعد مرور 10 ساعات على تتويج منتخب الأرجنتين بكأس البطولة وجدت -صدفة- العناوين التالية: ففي صحيفة أريبيان بزنس، "الأرجنتين وفرنسا: راقصو التانغو يذبحون الديوك ويفوزون بمونديال قطر"، وأيضًا جاء عنوان آخر بنفس الصياغة في جريدة الوفد المصرية: "ميسي يذبح الديوك الفرنسية ولا يرحم صياحها ويتربع على عرش كرة القدم".
نعم هي اللغة فيها مساحة من المجاز والكناية والتشبيه والاستعارة والتورية، مثل قولنا: "أنت كالأسد" وفي المثل الشعبي "القرد في عين أمه غزال"، كثيرة هي الأقوال والأمثال التي تحمل صورًا قد تبدو غير منطقية لكنها تحمل صورًا رمزية
ودلالات معنوية.
النقطة الثانية: عن فحوى المقالة، فقد تعمدت أن أفسح المجال لنقل كلام الآخر حرفيًا وذلك من أجل عرض وجهة نظره كاملة لنتعرف عما يفكر به وما يختلج في مشاعره، دون تدخل مني سوى الإيضاح، استعرضت نصًا لخطاب إشكالي يطفو على السطح بين وقت وآخر ويزداد حدة وقت المناسبات الرياضية، سواء في حال الفوز أو الهزيمة، حيث تطل العنصرية بأشكالها المتلونة.
أي ضجيج وتعليقات سخيفة وألفاظ قاسية تعرض لها اللاعبان الفرنسيان اللذان أهدرا ركلتي الجزاء في المباراة النهائية امام الأرجنتين وبسبب ضياعهما خسرت فرنسا اللقب، وهما من ذوي البشرة السمراء، هجوم عنيف طوال الأيام الماضية ضدهما، تقريع وكلمات نابية على وسائل التواصل الاجتماعي وتغريدات فرنسية عنصرية تزكم الأنوف، وتوجع الرأس، وعبارات مشحونة بالتحقير والتنمر.
جاء على منصات التواصل الاجتماعي ما يلي: "أضاع اللاعبان كومان وتشواميني ركلتي ترجيح، ثمة مواقع فرنسية تذكرهما بأصولهما الإفريقية ورواد وسائل التواصل يشبهونهما بالقرود والشمبانزي وقالوا عنهما (عبيد وزنوج)، واللاعبان أوقفا التعليقات في حسابهما لكثرة السب والشتم هذه هي حقيقة الغرب يا إخوان، قالها مسعود أوزيل اللاعب التركي منذ زمن والذي لعب مع المانشافت: عندما تفوز فأنت ألماني وعندما تخسر فأنت لاجىء"!
وقد تطرقت في مقالتي السابقة حول أصول اللاعبين وانتسابهما إلى بلدهما الحقيقي، وهو إفريقيا، مستشهدًا بكلمة المدافع العملاق للمنتخب الألماني القيصر باكنباور بعد أن أحرزت فرنسا كأس العالم لأول مرة على أرضها 1998م، وقال نقدًا فيما معناه "ليس فخرًا لك يا فرنسا بإحرازك كأس العالم فهؤلاء ليسو أبناءك، إنهم أفارقة" ولكن تدور الدوائر وتنهج ألمانيا ذات الدور!
وأوضحت أيضًا أن فرنسا مهووسة بالتجنيس إلى حد الجنون وبأي ثمن وبأي طريقة، مستذكرًا نهجها فمنذ 40 سنة كلما أتي مونديال زادت النسبة وارتفعت أكثر فأكثر وخصوصًا بعد مونديال 1994م، حيث وضعوا نصب أعينهم الجواهر السوداء واستثمارهم لها أيما استثمار بتحقيق كأسين عالميين (1998 - 2018) وذلك بواسطة أقدام إفريقية، وذهب البعض إلى القول: "أول دولة إفريقية تفوز بكأس العالم مرتين"، وآخرون يسمون الفريق الفرنسي "إفريقيا المتحدة" !
وهنا سوف أفسح المجال للحوار المطول، والذي وضعته كاملًا فهو يمثل ضمير من يرى الحقيقة بوضوح.
لقد وجهه المذيع الأمريكي "تريڤور نوح" مقدم البرنامج الشهير "ذا ديلي شو" حينما رد على اعتراضات الفرنسيين وأبرزهم السفير الفرنسي في أمريكا حين نعت المنتخب الفرنسي بالمنتخب الإفريقي عبر حلقة سابقة من حلقات برنامجه، يقول "نوح" التي تعود جذوره إلى إفريقيا والحماس والتهكم أسلوبه أمام الحاضرين وفي كل جملة ضحك وتصفيق: "فازت فرنسا بكأس العالم وأثناء البرنامج احتفلنا بذلك وقلت ممازحًا، إن إفريقيا فازت بكأس العالم، وصدمت بمدى غضب العديد من الفرنسيين لذلك، بالفعل كان العديد غاضبين وقالوا لي: كيف تقول هذا، هذا فظيع، قلت هذا شيء طبيعي فليس كل شخص يحب النكت التي تقولها، لكن المثير للاهتمام هو أنني تلقيت رسالة من السفير الفرنسي في أمريكا، سأقرؤها لكم، فقد كانت حول تلك المزحة، سأحاول أن أقرأها كما كتبها، يقول فيها: لقد تابعت باهتمام برنامجك في 17 يوليو عندما تحدثت عن فوز المنتخب الفرنسي بكأس العالم 2018 في روسيا، في المباراة النهائية يوم الأحد الماضي سمعتك تتحدث عن فوز إفريقي! لا يوجد شيء أكثر خطأ من هذا"!
يعلق المذيع نوح: "في البداية أريد أن أقول إنني كنت أستطيع أن أقول إنهم اسكندنافيون، هذا سيكون خطأ أكبر"- يتعالى ضحك الحاضرين في الإستديو، ثم يوصل قراءة رسالة السفير- "كما سبق وقال لاعبو الفريق إنهم وعلى الرغم من أن آباءهم قد جاؤوا من بلدان أخرى، لكن الغالبية العظمى منهم، ماعدا اثنين من أصل 23 ولدوا ودرسوا وتعلموا كرة القدم في فرنسا، إنهم فرنسيون ويعتزون بوطنهم فرنسا، إن الخلفيات الغنية والمتعددة للاعبين هي انعكاس للتنوع الفرنسي، فرنسا هي بالفعل هكذا -يعقب المذيع- لكنني أرى أن الجملة السابقة مثيرة للاهتمام -الخلفيات الغنية والمتعددة للاعبين هي انعكاس للتنوع الفرنسي- لا أقصد أن أكون سيئًا ولكنني أعتقد أنها انعكاس للاستيطان الفرنسي -يتعالى التصفيق ثم يواصل المذيع ويعلق-: "فليس من المصادفة أن يجمعهم شيء واحد موحد إذا تتبعت ذلك وقلت لهم كيف أصبحتم فرنسيين؟ وكيف تعلمت عوائلهم التحدث باللغة الفرنسية- "؟ ينظر للحاضرين بضع ثوان دون كلام ثم يكمل رسالة السفير-: "هنا فرنسا هي بالفعل بلد عالمي، لكن كل مواطن هو جزء من الهوية الفرنسية يشكلون معًا الأمة الفرنسية، وعلى خلاف الولايات المتحدة، فإن فرنسا لا تعرف مواطنيها استنادًا إلى العرق أو الدين أو الأصل، من خلال تسميتهم بالمنتخب الإفريقي فإنك تنكر فرنسيتهم، هذا يبرر الإيديولوجيا التي تقول إن البيض فقط يمكن أن يكونوا فرنسيين"، -المذيع ألقى بورقة الرسالة جانبًا وخاطب الحضور- " إذًا دعوني أوضح هذه النقطة، أنا أفهم ماذا يقول لأنني قرأت الرسالة، أقبل الانتقاد وأسمع ما يقوله الآخرون لي، وأعتقد أنه ينبغي عليكم القيام بذلك أي انتقادي، لكن في فرنسا فإن العديد من النازيين (المتطرفين) يقللون من فرنسية البعض بسبب أصولهم الإفريقية، يقولون لهم: أنتم لستم فرنسيين بل أنتم من إفريقيا، عودوا من حيث أتيتم، كنوع من الهجوم، برأيي إن الناس في جنوب إفريقيا أو إفريقيا وحتى الذين كانوا يتابعون كأس العالم في أمريكا أو من أي مكان في العالم، فإن السود كانوا يحتفون بالأصول الإفريقية للمنتخب الفرنسي، ليس بالمعنى السلبي ولكن بالمعنى الإيجابي وكأنهم يقولون انظر إلى الإفريقيين الذين يمكن أن يصبحوا فرنسيين كنوع من الاحتفال بهذا الإنجاز، وهذا ما أناقشه مع الذين يقولون إنهم ليسوا إفريقيين بل فرنسيين، لماذا لاًيمكن أن يكونوا كليهما (إفريقيين وفرنسيين )-يضج الإستديو بالتصفيق- لماذا هذه الازدواجية في اختيار مجموعة من الناس لماذا لا يمكنهم أن يكونوا إفريقيين، ما يقولونه هنا يجب أن يلغي كل شيء إفريقي لتكون فرنسيًا، وإلا ماذا يعني عندما يقولون: ثقافتنا وإلخ، وكأنه لا يمكن أن تكون فرنسيًا وإفريقيًا بنفس الوقت، وهذا ما لا أوافقه أبدًا.
كم أحب بوغبا وكانتي وأتابع مبارياتهما وأحب إفريقيتهما بقدر ما أحب فرنسيتهما، بقدر ما نقدر فرنسيتهما ينبغي أن نقدر إفريقيتهما، هذا ماأحبه في أمريكا، فهي ليست بلدًا خاليًا من النواقص إلا أنه يمكن للناس هنا الاحتفال بهويتهم في إطار أمريكيتهم، لكن ما أجده مثيرًا للاهتمام عندما أقرأ قصصًا من إفريقيا أو أشاهد السياسيين وخاصة في فرنسا كيف يتحدثون عن المهاجرين الإفريقيين، عندما يكونون عاطلين عن العمل أو يرتكبون الجرائم أو يقومون بشيء سيء فإنهم مهاجرون إفريقيون، عندما يجعل أبناؤهم فرنسا تفوز بكأس العالم، عندها يشيرون إليهم فقط كفرنسيين، ورأينا ذلك الرجل في حالة الرجل الإفريقي الذي تسلق أحد المباني لإنقاذ طفل، هل تذكرون ذلك؟
تسلق المبنى وأنقذ الطفل، عندها أعطوه الجنسية الفرنسية، وقالوا له: ها أنت الأن فرنسي لم يعد إفريقيًا بعد الآن؟
إذًا عندما كان على الأرض كان إفريقيًا، وعندما تسلق إلى السقف وأنقذ الطفل أصبح فرنسيًا؟
ماذا لو رمى الطفل؟
سيقولون إن الإفريقي رمى الطفل!".
إلى هنا انتهى كلام المذيع "تريڤور نوح" صاحب برنامج "ذا ديلي شو"، تعمدت أن أنشر حديثه كاملًا وهو موجود على اليوتيوب، ومترجم باللغة العربية، قدمته كاملًا لنرى الصورة بوضوح أكثر، وخلاصة كلامه أن فوز المنتخب الفرنسي لكأس العالم 2018 هو نصر لإفريقيا، أي حالة تعبير عن سعادة المذيع على المستوى الشخصي فهو ينتمي إليهم، قال كلمة اعتزاز بجذوره لأن معظم لاعبي فرنسا ينتمون للقارة السمراء الذي ينتمي إليها، هم إخوته، من تربته من موطن أجداده، ما الضير في ذلك؟
والسؤال، لماذا غضب السفير الفرنسي "جرر أرول" من تلك الحقيقة؟
إذا كانت فرنسا خطفت كأس العالم بالأمس، ولم ترضَ بمشاركة فرحة المتضامنين مع أصحاب البشرة السوداء وهم جل صفوف منتخبها، وذلك بالإشارة إلى موطنهم الأصلي كقيمة اعتزازية لهذه القارة المنهوبة في كل شيء.
إذًا لماذا انهمر سيل جارف من التحقير عندما خسروا المونديال (قطر 2022)!، والكل ينعتهم بالقرود، و"عودوا إلى أدغالكم ،"عبيد، وزنوج "، كم هائل من التغريدات تحتقرهم وتحط من إنسانيتهم!
وهل ترد فرنسا على كلمة الرئيس الكيني "ويليام ساموي روتو" حين قال: "مبروك للأرجنتين فوزها بكأس العالم، لعب فريقي الإفريقي في كأس العالم مباراة رائعة، ولكني سأدفع رهاني، فقد كانت مباراة رائعة من جميع النواحي".
هل كلام هذا الرئيس في نظر من جنسهم وأبلوا بلاءً حسنًا في حالات الفوز أو الخسارة، يجرد اللاعبين من هويتهم الفرنسية ؟! هي كلمة اعتزاز بالأصول وانتماء للأرض.
إن النظرة العنصرية المقيتة ليست حكرًا على شعب دون آخر، يذكر أن هذه الأجواء المشحونة استهدفت أيضًا لاعبي إنكلترا، ماركوس راشفورد وغيدون سانشو وبوكايو ساكا بعد الهزيمة في نهائي بطولة أوروبا 2020 أمام إيطاليا والتي كانت مؤجلة وأقيمت العام الماضي وكان اللاعبون الثلاثة قد أهدروا ركلات الترجيح، وتعرضوا لهجوم قاسٍ على وسائل التواصل الاجتماعي بعد المباراة، لاعبون قدموا كل ما لديهم، وكانوا يمنون النفس بالفوز لكن النحس طاردهم والحظ عاندهم ونزلت عليهم كلمات القبح كرش المطر وأشبعتهم توبيخًا وتحقيرًا، قدرهم بأن بشرتهم سمراء! متى يرضون عنهم؟ هل ينسلخون من جلودهم ويقومون بفعل "مايكل جاكسون" حينما حول بشرته إلى بيضاء!.
يقول الإمام علي "ع": "الناس صنفان إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق".
متى نتخلص من تصنيف البشر على أساس العرق واللون والدين؟



