الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

النقصان الوهمي في المرأة

السيد موسى الخضراوي · القطيف اليومالثلاثاء 14 فبراير 2023، 10:14 ص
النقصان الوهمي في المرأة

يرى بعض الرجال أن المرأة لا تميل للعقلاء والمفكرين والمتزنين سلوكًا وخُلُقًا بشكل عام؛ لأنها تشعر بالنقيصة من الرجل من جهة، وباعتبارها هالة كاملة من العواطف المتداخلة والمعقدة التي تميل إلى التمرد والتقلب والحرية والانطلاق وروح المغامرة من جهة أخرى، وهذا الرأي مطابق من حيث الرؤية لما ورد في الأثر (المرأة خُلِقَت من ضلعٍ أعوج) ولو من زاوية ثانية؛ غير أن هذا الرأي ليس صحيحًا مطلقًا، ولا منصفًا للمرأة بحال؛ وإنما وليد تجارب شخصية ونادرة أسقط أصحابها انطباعاتهم وأحكامهم على المرأة من خلاله.
النساء كالرجال تمامًا؛ منهنّ العاقلات، ومنهنّ أنصاف العقول، ومنهنّ فقيرات العقول. قد تختلف نسبة التغليب في الأقسام الثلاثة بين الرجل والمرأة غير أن ذلك لا يعني إلغاء الملَكة ولا يبرره.
التاريخ كله - قديمًا وحديثًا - له ألف شاهد وشهيد على عكس ذلك الرأي؛ بل إن بعض النساء - حتمًا - أجل قدرًا وأوسع فكرًا وأكبر عقلًا وأكمل خلُقًا وأقوى ثقة بالنفس وضبطًا للسلوك من بعض الرجال.
إن ما نراه اليوم من أدوار استثائية ناجحة للمرأة في شتى العلوم والمعارف والإدارات والقيادات يسابق السماء علوّا وشموخًا وجمالًا، ويرسم على جبين الحياة بمداد من نور منجزات تاريخية غير مسبوقة؛ فكيف تكون كذلك لولا الاتزان العقلي السلوكي الأخلاقي العلمي العقلاني فيها؟!.
إن ما وصل إليه الكثير من الرجال من منجزات علمية خالدة وممتدة بامتداد الحياة ما كانت لتكون لولا وجود نساء فاضلات رسمن لأزواجهنّ طرق السعادة والمجد حتى قال الكثيرون: (وراء كل رجل عظيم امرأة). كيف لهذه النساء العظيمات ألّا ينجذبن لأزواجهن وهن سر أمجادهم؟!
إن الواقع المعاصر مازال يثبت أن الشريحة الأكثر من النساء في المجتمع الشرقي هنّ الأكثر اتزانًا وحياءً والأهدأ سلوكًا من الرجل؛ ومن الطبيعي أن يميل الإنسان لما يشبهه؛ لأن القلوب إذا تشابهت اجتمعت، وما ملايين العلاقات الزوجية الناجحة إلا برهان يفوق الشمس إشراقًا على زيف هذا الرأي غير المنطقي، فضلًا عن أنه يتناقض ويتنافى مع ما أثبته الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم حيث قال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} فكيف يكون التقويم حسنًا إذا كان ناقصًا أو به خلل؟!.
ولا يفوتني القول هنا بأن هذه الآية المباركة تنفي ما نسبه البعض للنبي صلى الله عليه وآله من أنه نسب خلق المرأة للضلع الأعوج من آدم عليه السلام؛ والصحيح أن الله سبحانه وتعالى خلق حواء (المرأة) من فاضل أو باقي طين آدم عليه السلام، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ، واحِدَةٍ، وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونِسَاءً}، وقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ}.
ينبغي الالتفات إلى أن اعوجاج الأضلاع هو أحد كمالات خلق الله لهذا الإنسان العظيم، وله فوائد طبية متعددة يثبتها المختصون في أبحاثهم فضلًا عن أن هناك وظائف متعددة لا يمكن أداؤها داخل الجسم إلا حين يكون بهذه الكيفية من الإبداع الخلقي. ولهذا كان الاعوجاج - هنا - فضيلة والاستقامة عيبًا، وتعالى الله علوًا كبيرًا من أن يخلق خلقه بعيوب.
وعليه؛ لا صحة للرأي المذكور أعلاه جملة وتفصيلًا إلا في حالات معيّنة لا يعوّل عليها في الحكم الإجمالي مطلقًا، ولا يمكن أن يُبنَى عليها كظاهرة.
الدين والتربية والأسرة والمجتمع والتعليم والأصدقاء والتجربة والظروف الحياتية يلعبون دورًا محوريًا في ثقافة الإنسان (رجل وامرأة) وتفكيره وسلوكه؛ وبالتالي انطباعاته وقناعاته ومبادئه بشكل عام بعيدًا عن الجنس، والواقع والتاريخ والكتب السماوية لها ألف شاهدٍ وشهيد على ذلك.
وما فاطمة وزينب وآمنة وخديجة ومريم وآسيا عليهن السلام إلا نماذج للكمال الإنساني للمرأة عبر التاريخ، بل إن امرأة واحدة من هؤلاء النسوة بأمة كاملة وأكثر من ذلك بأضعاف (إن واحدة منهن خَيْرٌ من الدنيا وما طلعت).
المرأة التي تتربى وتتغذى على الهدوء والسكينة والفضيلة والذوق وحسن الخلق والحكمة، وتغرف من مناهل العلم والمعرفة والتقوى تختلف عن المرأة التي تتربى في مهب الريح؛ وكذلك الحال في الرجل تمامًا تمامًا.
العقل هو الملكة الأسمى والأقدس للبشرية في معيار السماء وقد خص الله به الإنسان دون سواه من سائر المخلوقات، وهو الوسيلة الأجل لبلوغ المنى والسعادة والكمال، ويزداد هذا العقل قيمة كلما ازداد رجاحة وإشراقًا؛ وعليه فالمتميزون فكرًا وسلوكًا وعطاءً هم الأكثر جاذبية للعقول والقلوب بشكل عام عند الجنسين.
العقلاء والمبدعون من البشر هم سادة المجتمعات ونخبها وطليعتها، وهم المحرك الحقيقي للنهضة الثقافية والعلمية والفكرية والسلوكية في الوجود، وهم صانعو البرمجة الكونية البشرية التي يتبعها جل الناس في حياتهم، وهم الأكثر فاعلية وجاذبية في الكون باختلاف عوالمه، وهم النجوم السماوية التي يهتدي بها المبصرون فكيف لا تنجذب إليهم الأرواح والقلوب؟! إضافة لما ذكرنا يؤكدُ علماء النفس والاجتماع أن هناك انجذابًا وميولًا لا إراديًا أو فطريًا بين الرجل والمرأة بشكلٍ عام فكيف ننفي الحقائق العلمية المسلّمة؟!
إن ما نجده اليوم من انفتاح أو تحلل لبعض النساء في كافة بقاع المعمورة لا يعني نقصًا أو خللًا في تكوين المرأة إطلاقًا وإنما يعني خللًا في سلوكها وتفكيرها نتيجة عوامل مختلفة وهو أمر تشترك فيه مع الرجل جملة وتفصيلًا.
تشير الدراسات الاجتماعية والنفسية في الغرب إلى أن جرائم التعدي في نسبتها الأعلى والتي تفوق الـ90% من الحالات سببها الرجل دون المرأة، وهذا يعني أن هناك خللًا في سلوك الرجل وميوله يفوق الخلل في سلوك المرأة وتفكيرها بأضعاف كثيرة؛ فلماذا لم نعتبر ذلك نقصًا في تكوينه وتفكيره كما اعتبرناه في المرأة؟! (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟!).