جمانة السيهاتي تهرب من الماضي بـ «محشور في فم الموت»

لم يكن الماضي في حياة الإنسان شيئًا عابرًا؛ فإنَّه يمشي معه، كظلّه، توأم أفكاره، وتجليات ذاته، ورُؤاه المُستقبلية، فلا تستطيع الهُروب منه إن أردت أو لم تُرد، تهرب منه ليُقبل عليك في أيّ لحظة من لحظات يومك، وإبحارك في تأملاتك، إنَّها بمثابة تلازمية الوجود.
هكذا تأخذنا الكاتبة والرّوائية جُمانة السيهاتي في إصدارها السّابع الذي حمل عنوان "محشور في فم الموت"، والصادر عن دار نضد للنّشر والتوزيع في 148 صفحة.
استنطاق مّلهم
وتنستنطق السيهاتي الحدث الدّرامي من خلال ثلاثة محاور أساسية، وهي: الزّمن، والفقد، والماضي، لتجعل من الزّمن لغة، من خلالها يتدفق الوقت، تستدعيه، وتخلق الشّخصيات على امتداد ثيمة الوقت.
وتُبحر الأحداث لتتكئ على الفقد كالعنصر المُتوازي مع خط الاستواء فيها، بكون الفقد حالة مجبولة بها الحياة، لتجعل منها حكاية الماضي، وتسترسل عبر نبضاته، خفقاته إلى حيث استمرارية الحياة.
كتبت: مرّ وقت طويل على وجودي هنا. ربما ليس طويلًا بما يكفي، ولكنّني أكاد أقسم أن القيامة قريبة، وأنّي أتوق إليها في سبيل انتهاء وحدتي، فها أنا قررت من صاحبتي وبنيّ مُنذ الآن، وسأحضر وحدي ولا شكّ، ولكنّني أعرف أنّ قيد الانتظار آنذاك سينكسر. لن أجلس أنتظر ورود الزّائرين إليّ والبُؤس يتشظّى فيّ، لم يعُد هناك معنى لأي شيء، أو أي أحد.
وفي ضفة أخرى، كتبت: يبدو لي أنّ سنيني السّابقة كانت مُمتلئة بأحزان مُؤجلة.
أحزان حلّت عليّ الآن كلعنة.
أودّ أن أمزّق الصُّورة التي تجمعني، وأولادي الذين أحاول الانسلاخ منهم زاحف ينسلخ من جلده، الهرم. ولكنّهم كالأورام يتفشّون بداخلي، يتكاثرون، وكلّما حاولت استئصالهم عادوا.
هُروب بطعم اللّقاء
تقُول السيهاتي عن ماهية عنوان الإصدار "محشور في فم الموت"، بأنَّه جاء من تعلق الشّخصية الرئيسية في الرّواية بالماضي الذي يهرب منه طوال حياته، ولكنَّه كان بالمرصاد، حينما أوشك على الموت في حالة استذكار ذاتي؛ ليحضر الماضي بألوانه، كعينين تُسدل رُموشها، لتتأمل، وتستحضر ما قد سبق.
وقالت: يجب على كلّ إصدار أن يختلف عن سابقيه، لابد أن أجد تطور أساليبي الأدبية، وأفكاري، ونتاج قراءاتي فيه، لهذا قد يجد القارئ في "محشور في فم الموت"، هذا التّغير الشّهي.
انتشاء الهُروب
وعن الموقف، الذي استدعى اليراع والفكر، لينسج هذه الرّواية، تُجيب: "أعتقد أنَّ الإصدارات الأدبية بشكل مجمل لا تمر بموقف مُعيّن، إنَّما هي نتيجة تراكمات، ووليدة لمواقف عدّة، يُترجمها الرّوائي من خلال بيئته، وثقافته، ورُؤاه، لتكون تفاصيله فيها".
وفي ختام حديث السّهاتي المُنحدرة من مدينة سيهات، لـ«القطيف اليوم» ذكرت أنَّها مثل أحداث روايتها، تهرب من الماضي، ليكون بالمرصاد على حافة الموت، لتهرب من الأسئلة، لتلاحقها أينما حلّت، إنَّها تُغدق في تقنية عدم الكشف عبر لغتها البلاغية، الصّمت في أغلبه، فتقُول في هذا الشّأن: "لطالما تجنبت الأسئلة في الحقيقة، مخافة أن تكشف ما أجاهد لإخفائه".




