أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

على عتبات العروج..

حكيمة الجمعان · القطيف اليومالإثنين 27 فبراير 2023، 1:05 ص
على عتبات العروج..

وتطوف حولي أسراب الذكريات
وجعٌ ينام ويستفيق بداخلي
ذكرياتكِ اشتياقاتٌ لا تغفو!
أخذتني بحزني بعيدًا، صوتي المبحوح يبعث في روحي تلك اللحظات التي كانت حكايتها ألمًا وبعادًا.
أو تعلمين؟
يا زهرة العمر التي قطفتْها الأحزان
لا زلتُ أترقب طيفكِ البعيد
كأني أراكِ متوشحة لباسكِ الأبيض
تقفين في وسط مشاعل من الشموع
وجهكِ كغمامةٍ من فجر
ألا أبوح لكِ بأنني عطشى الفؤاد
أتأمل غيث حنانكِ
يا منبع الرحمة ووداد القلب
هذا حنيني!
تمر عليّ تذكارات لا أقدر على نسيانها
تذكار كرائحة العطر الذي يختزل فيّ كل أنواع المشاعر أوكالشِعر الذي ينظمه الشعراء بحروفهم
نسجٌ حزينٌ أو سعيد!
تضجُ تلك التذكارات بداخلي
عندما يأخذني الحنين إليكِ
يعود تاريخ شهر رجب، تتوهج هذه الذكرى الأليمة
كلما اشتقت لتلك البقعة القدسية،
حنينًا لا يماثله حنين.
إنها مكة التي أستنشق فيها أنفاس أمي
وعطرها الياسمينيّ، كم أحبها وأهواها
وأعشق ترابها وهواها!
خطوات أمي أجدها..
عند باب السلام
بين الكعبة المشرفة ومقام إبراهيم الخليل، بين الصفا والمروة،
أسمع صوتها عند تسابيح الفجر، وأرى قبلاتها عند الحجر الأسود، وعند مشربة ماء زمزم.
تلك هي أمي..
التي قدِمتْ إلى مكة وهي تحتضن بداخلها عالمًا آخر غير الذي كنا نعرفه، مستبشرةً بالوصول إلى حرم الله راغبةً في الوِفادة الربانية في الحضرة القدسية.
لبّت، طافت وسعت، صلّت ودعت، شربت ماء زمزم.
كانت بين صديقاتها كالنجمة التي تتوهج بروحها الهادئة ومداعباتها اللطيفة بينهن، باسمة المُحيا.
ترقب الوقت للصلاة في الحرم الطاهر، تخرج برفقة بعض الصديقات.
أيامٌ قليلة قضتها بينهن، ما أجملها من أيام!.
لا زلن يتذكرنها في آخر لحظاتها معهن
جلستْ باكرًا كعادتها، اغتسلت، أعدتْ لهنَّ الفطور، رتبت الغرفة، وخرجت للحرم المكي برفقة إحدى الصديقات، أحست أنها لا تستطيع المشي، أخذ جسمها يتصبب عرقًا، طلبت ماءً.. شربتْ، رشحت وجهها بما تبقى منه.
طلبت الصديقة المساعدة لنقلها للمستشفى، ما إن وصلت سيارة الهلال الأحمر حتى فارقت الحياة.
إنها ساعة مؤلمة، صعبة على صديقاتها ورفيقات دربها!
إنها لحظة وداعٍ حزينة على الجميع.
شعورٌ يحرق القلب، ألمٌ عميقٌ لفقدها.
قدّر الله لها أن تفارق الحياة وهي في أطهر بقاع -في بيت الله الحرام-، وفي أفضل الأيام والشهور
وأن تدفن إلى جوار الحبيب المصطفى وأئمة البقيع في ليلة المبعث المبارك.
ما أصعبها من أيام مرت علينا مثقلةً بالحزن والهموم!.
حينما وصلنا الخبر، يا لها من صدمة قوية أشعلت نار الأسى في الفؤاد،
رحيل أمي غربة، يُتم، وفقدان.
سنوات مضت على رحيلها ولا زلت أتذكره بتفاصيله وكأنه بالأمس.
تذكارها الجميل أحمله على يدي
أُقبّله شوقًا لرائحتها العطرة وحنانها الدافئ
هديتها لي التي وصلتني دونها مع مقتنياتها الخاصة.
مصحفٌ كريم ما أجمله من هدية قيمة!.
بوركت أمي التي تركت أثرًا جميلًا.
كلما التقيت بصديقاتها يتذكرنها بالحسرة والأسف، تنهمر الدموع دون اختيار منهن.
إنها بالنسبة لهن الصديقة الصدوقة
الطيبة اللطيفة المُحبة للجميع.
وإٍنْ قيلَ لكَ أنَّ غيابَ أحدهم
يجعلُ الأرض فارغة من أهلها
فصدِّقْ.
غابوا ولكنّ الأثر باقٍ.
إنّ التذكر لأولئك الأشخاص يجعلني
أرسم خارطة الطفولة بألوانها الجميلة
وحروفها الخجولة، على جدران الذكريات الصامدة.
بلحنٍ دافئ، نستشعر وجودهم بيننا
بابتسامتهم،
بمزاحهم،
بدعواتهم
بسؤالهم عنا..
قلوب تُسكِنك في عمقها وبين حنايا عطفها
رحلوا فباتت الذكرى لهم قصة.
رحم الله أمي فاطمة وأبي الحاج معتوق، ورحم الله أرواحًا عرجت لخالقها في أطهر البقاع وأقدسها في شهر رجب الأصب.
وألهم ذويهم وأحبتهم الصبر والسلوان.