أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

كريكشون وأكثر!

مالك العرفات · القطيف اليومالأحد 5 مارس 2023، 10:43 ص
كريكشون وأكثر!

قبل أربعة عقود من الزمان تقريبًا، كنا نجوب شوارع الديرة الضيّقة والتي غالبًا ما تكون مُظلمة في سائر الليالي إلا في ليالي المناسبات السعيدة، والخاصة بأهل بيت النبوة ومبعث الرسالة عليهم أفضل الصلاة والسلام وعلى وجه الخصوص: ليلة النصف من شعبان والتي تصادف ذكرى مولد الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف وليلة النصف من رمضان وتصادف ذكرى ولادة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام. فترى البيوت في ليالي الناصفة قد زُيّنت بسعف النخيل والورد الجوري، والأنوار أضيئت والشموع أشعلت، ورائحة البخور والطيب في كل الأحياء انبعثت، وأبواب المنازل شُرعت، والاأهازيج المختلفة "أعطونا نَخَج وزبيب عساكم تزورون الحبيب (ص)" قد دوت الطرقات. لا يكاد يوجد بيت في الديرة دون المشاركة في الاحتفال والتوزيع، فالأهالي يقومون باستعدادات خاصة لاستقبال هذه المناسبات المباركة من شراء الملابس الجديدة للأطفال والتوزيعات، والتي كانت تقتصر في معظم البيوت في ذلك الوقت على الكسكبال (الفول السوداني). فالوضع لم يكن كما هو عليه الحال في وقتنا الحاضر، فالخير ولله الحمد والمنّة وفير والخيارات أصبحت متنوعة وكثيرة، اللهم لك الحمد وأدمها نعمة واحفظها من الزوال.

غالبًا ما كانت تبداْ جولة الناصفة لجمع التوزيعات من بعد صلاة المغرب مباشرة، كما هو عليه الوضع حاليًا في أغلب المناطق، ولكن قبل الانطلاق والبدء في جمع الناصفة، كان يتوجب علينا الاستماع إلى تعليمات الأهل والاتفاق معهم على عدة أمور كان من أهما: أن تكون مع أخيك أو أولاد عمك طوال الوقت. حيث كان البروتوكول المتعارف عليه والمعمول به عند أغلب العوائل في ذلك الوقت، الأطفال لا يخرجون إلى الشارع بمفردهم، كما أن البنات لا يخرجن من البيت إلا برفقة ومعية الأم أو أحد الإخوان أو الأخت التي تكبرها، وعدم التحدث أو الذهاب مع الأغراب، الحدود الجغرافية التي يمكنكم المناصفة في نطاقها (من بيت فلان إلى بيت فلان) وغالبًا ما تكون الجولة منحصرة في حدود الحي أو الحي المجاور.

بالرغم من بساطة الناس في ذلك الوقت، وتدنّي مستوى التعليم، إلا أن الذوق والرقي في التعامل والخطاب والرغبة في العطاء والمشاركة كانوا حاضرين وبقوة. أتذكر في إحدى ليالي الناصفة، ووقتها كنت مازلت في الصفوف النهائية من المرحلة الابتدائية، دخلت أناصف في أحد البيوت وكانت امرأة تجلس على خصفة (حصير) في وسط الليوان مُتلحفة بمشمرها (خمارها)، وتقوم بتوزيع ما كتبه الله من برَكة على الأطفال صبيان وبنات، والذين وقفوا في صف منتظم كل حسب وقت وصوله للمكان. وعندما حان دوري لاستلام الناصفة قالت بهدوء "إذا الله أحيانا وياك الناصفة الجاية لا تدخل البيت لو سمحت، وقف على الباب وبنجيب لك ناصفتك، أنت الحين صرت كبيرًا ومُكَلفًا، ولا تنس أن تسلم على أمك".

عندما كبرنا ونضجنا، تَعلمنا أن للبيوت حرمتها ويجب احترامها، ومن الخطأ والمُعيب دخول الشباب إلى وسط النساء الآمنات في منازلهن، أو اختلاط البنات مع الشباب بطريقة تثير الاشمئزاز، بحجة وذريعة الناصفة. وتثير الشفقة إلى ما وصل إليه الحال عند البعض! جمع الحلويات والتوزيعات تضفي البهجة والسرور على مُحيا الأولاد والبنات. كما أن للشباب مجالس مخصصة للمشاركة في هذه الاحتفالات، والتي تحتوي على العديد من الفقرات التي تتناسب مع أعمارهم ومستواهم الثقافي.
لا شك أن مرافقة الأطفال في ليالي الناصفة شيء جميل جدًا، فهو حماية لهم من أخطار الطريق في المرتبة الأولى، وأيضًا لترسيخ ماذا تعني هذه المناسبات المباركة لمجتمعنا في أذهانهم. ولكن من الضروري جدًا الالتزام والتقيد بالضوابط الأخلاقية، لتُبرز هذه المناسبات وغيرها من المناسبات الدينية الأخرى، بالشكل والصورة التي تليق وتتناسب مع مكانة وقداسة أصحاب المناسبة، وما لتلك الليالي من فضل عظيم ولتعكس تربية وثقافة المجتمع الموالي والواعي.

عندما كبرنا تعملنا أنه ليس من الضروري الصراخ، أو إحراج الآخرين من أجل تقديم النصيحة أو إبداء الرأي في موضوع ما، فالأسلوب الجيد وإظهار الاحترام وحسن الخطاب، كفيلين بإيصال الرسالة وتفهم الطرف الآخر إلى وجهة النظر.

عندما كبرنا، أيقنّا أن رسم خارطة الطريق الخاصة بجولة ليلة الناصفة لم تكن من فراغ بل وضعت من أجل سلامتنا وحمايتنا. فكلما ابتعدنا عن أنظار الأهل والمقربين من الجيران أصبح من الصعب توفر الحماية والمساعدة في حالة تعرضنا لأي خطر مُحتمل، أو موقف يَصعب على من كان في عمرنا تجاوزه دون أضرار! حتى في حالة المقدرة على الهروب، فإن الوصول إلى البيت بسلام لن يكون سهلًا بسبب بُعد المسافة. خروجنا في مجموعات مع أولاد الفريق أو الأقارب كان يعطينا قوة، فقد تعلّمنا أيضًا أن "الكثرة تغلب الشجاعة" ويبعد عنا المُتربصون. وفي حالة تعرض أحد إلى موقف ما، فإن بقية المجموعة يكونون جاهزين إما للدفاع عنه، أو لطلب الفزعة من أجله. باختصار، عندما تواجه معضلة أو مشكلة ما، فإن الأهل والمقربين هم خط الدفاع الأول، ومن يقف إلى جانبك حتى تتجاوز تلك المعضلة وتصل إلى بر الأمان. بالإضافة إلى ذلك، كان الشارع مليئًا بمختلف الأجناس منهم الأشرار ومنهم الأخيار، ولا تعلم أي جنس منهم تواجه في يومك؛ لذلك الحذر وأخد الحيطة ضروري لتلافي الوقوع في المتاعب.

عندما كبرنا وتحمّلنا المسؤولية تعلمنا أيضًا أنه حتى عندما يكون الخير كثيرًا، يجب علينا المحافظة على النعمة وعدم الإسراف والتبذير، بل يجب علينا الشكر إذا ما أردنا الزيادة والبركة "بالشكر تدوم النعم". كما يجب علينا عدم تحميل أنفسنا فوق طاقتها "الطاعة قدر الاستطاعة"، أو المبالغة من أجل التباهي أمام الآخرين، وحتى لا تُسن في المجتمع عادة تثقل كاهل الآخرين. كما أن المقارنة في بعض المواضيع ليست منطقية، فكلٌ حسب إمكانياته المادية.

إحياء المناسبات لا يعني التبرج وخدش الحياء وضرب القيم والمبادئ والأعراف بعرض الحائط، كما أن الاحتفال لا يعني إلحاق الضرر والأذى بالنفس والآخرين، والقيام بممارسات دخيلة على مجتمعاتنا وثقافتنا، من شأنها الإساءة إلى مثل هذه المناسبات المباركة، ورسالتها في تهذيب النفس واحترام العادات والقيم.

نعم الماضي لم يكن مثاليًا من جميع الجوانب، ولكن افتقدنا في وقتنا الحالي بعض الممارسات الجميلة والحسنة التي عاصرناها في ذلك الوقت. بالرغم مما وصلت إليه مجتمعاتنا من حداثة في مختلف المجالات الثقافية والحضارية والتكنولوجية، إلا أن الأهازيج الخاصة للاحتفال بهذه المناسبات الفضيلة والمباركة، ظلت ثابتة وراسخة (الله لا يغير علينا). فما أن يرتفع صوت الحق مناديًا لصلاة المغرب ليلة النصف من شهري شعبان المعظم ورمضان المبارك، وإذا بالأنوار قد أضاءت الكون، ويخرج الأطفال صبيان وبنات بكل فرح وسرور، يجوبون الأحياء وحناجرهم تصدح "كريكشون ناصفة حلاوة على النبي صلاواة أعطونا من مالكم الله يخلي عيالكم". اللهم احفظ فلذات أكبادنا ومجتمعاتنا من كل سوء، وابعد عنها أيدي العابثين وأعد علينا هذه المناسبات لسنوات عديدة والجميع في بهجة وخير وعافية.