أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

أيام زمان

فاطمة شلي · القطيف اليومالخميس 16 مارس 2023، 7:52 م
أيام زمان

للماضي حنين مهما كانت قسوته ولكن ليس له رجوع مهما بلغت روعته فيظل راسخًا في أعماق الفكر ويتمحور في الذاكرة كي تمشي به الأيام وتسطره الأقلام في الأوراق حتى تقرأه الأجيال عامًا بعد عام فحكايات شهر رمضان الكريم لها طعم ولون خاص عندنا في القطيف عامة وتاروت خاصة.
أتذكر في صغري كان في كل سنة نهاية شعبان يستعد الكل للشهر الفضيل وكنا في آخر يوم في المعلم تصنع لنا المعلمة "القرش" وهو موروث شعبي عندنا في الخليج ربما موروث عربي وإن اختلفت فيه البلدان العربية في طريقته، والقرش أو التقريش أي الأكل بشراهة لأنه سوف يودع الأكل خلال شهر الصيام في النهار، وهو أن يأتي كل منا -نحن الصغار بنات وأولاد- المعلم بمبلغ تقريبًا ريالان كي نحتفل بآخر يوم إفطار لنا في المعلم وهو يوم التاسع والعشرين من شعبان ويتم توزيع الأكل علينا ويأخذ جميعنا قليلًا من الحلويات لبيوتنا حتى نشارك الأهل فرحتنا.
عادة وبعد يوم أو يومين يأتي شهر رمضان حسب الهلال، ويأتي شهر رمضان بفرحة الصغير والكبير وكنا أطفالًا نقول: "جاء جاء شهر رمضان شهر القرع والبيلجان" مرح طفولي، فكان كل يوم قبل أذان المغرب يشغل قيوم المسجد القريب من بيتنا المسجل بصوت المرحوم عبد الباسط عبد الصمد حتى يحين وقت الأذان فترى كل البيوت كأنها خلية نحل دؤوبة هذه تجهز السفرة وهذه تقلي اللقيمات وأخرى تعمل مهلبية وكانت أغلب سفرهم في ذاك الزمان من الخوص وهي سفرة من سعف النخيل أذكر كانت جدتي المرحومة ليلى زرع تعمل لخالاتي ولنا سفرة كبيرة حتى نضع عليها الثريد والشوربة واللقيمات وهي أكلات شعبية ما زالت موجودة عندنا وإن كانت غطت عليها بعض الأكلات الحديثة المعروفة حاليًا، وكان في الماضي تبادل الأطباق المنوعة بين الجيران أكثر من الآن، مع الأسف قلت في هذا الزمان، وأتذكر كانت بعض الجارات ماهرات في طبخ الهريس وكان له طعم مميز عن غيره، فأحيانًا يأتي لنا أكثر من طبق هريس من أكثر من بيت فيحصل التفاضل على أكله.
أذكر كان صومنا في الثمانينيات في الصيف الحار والنهار طويل لكن كانت سواقي الماء مع وجود النخيل تلطف الجو مما يهون لهيب العطش وأحيانًا كنا نذهب للعين عين العودة المعروفة في تاروت لنبرد أجسامنا من الحر دون أن ندخل رأسنا في الماء لأننا كنا نسمع من الكبار أن الانغماس في الماء مفطر، وعندما يؤذن المؤذن كنت أسمع أمي تردد دعاء الإفطار (اللهم لكَ صُمت وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله) التى لا زالت إلى الآن تقرؤه في كل سنة..
لقد تركت لنا أيام الطفولة أشياء جميلة فأنا عندما أحن إليها أحب سماع صوت عبد الباسط فصوته يذكرني بطفولتي الجميلة كما يذكرني بوالدي المرحوم محمد الذي كان أيضًا يحب سماعه، وكلما تجدد حنين الطفولة لتلك الأيام أرجع بالذاكرة للوراء حيث كنا نشاهد الرسوم المتحركة أمثال جريندايزر وسندباد والمسلسلات علاء الدين والإبريق المكسور التي كان أغلب جيلنا يشاهدها لأنها كانت تحاكي مخيلة طفولتنا، وتلك أيام مضت ولم ولن تعود، وتبقى مجرد ذكرى يحفرها الزمان كي تصل في عمق أعمارنا التي بدأت تشيخ وهي تحمل الجد والعمل والكفاح حتى يوم الرحيل لنقبر في اللحود ولا تظل إلا أسماؤنا ويأتي هذا الجيل ويترحم علينا.
فلا تنسوني من دعوة صادقة، ولن أنساكم، ومبارك عليكم قدوم الشهر الفضيل، جعلهُ الله عام خير وبركة لنا ولكم.