من سنابس.. زينب الناصري.. ملاك رحمة متوجة بـ«ديزي».. تناست الفيروس وبسطت جناحيها على مريض من متلازمة داون

احتواء اعتيادي لواحدٍ من مرضاها، محاولة تهدئة، وتصرف تجده هي طبيعيًا جدًا لأي ممرضة، إلا أن ذلك الموقف الذي ربما مرّ بهدوء في ذاكرة الممرضة زينب علي عبد الله الناصري، كان سببًا في تتويجها بجائزة ديزي (DAISY) - وهي جائزة عالمية تُمنح للممرضات والممرضين الذين يقدمون عناية استثنائية بمهارات عالية ورعاية إنسانية متميزة للمرضى.
مريض بلا سيطرة
ترجع ذاكرة "زينب" فني تمريض بقسم جراحة الرجال في البرج الطبي "الدمام المركزي"، إلى قبل عام ونصف، حينما أدخل للقسم الذي تعمل به مريض من أصحاب الهمم مصاب بمتلازمة "داون سندروم"، وتبعًا لأنظمة المنشأة في ذلك الوقت كان لا بد من إخضاع أي مريض سيدخل غرفة العمليات للفحص الروتيني لفيروس "كوفيد".
وحول بقية التفاصيل، تتناول عجلة الحديث إحدى المسؤلات في قسم التمريض بالمستشفى وجدان المشقاب قائلة: بعد أن ظهرت نتيجة الفحص تبين أنها إيجابية، وأن المريض مصاب بكورونا، وهنا كان لا بد من عزله عن باقي المرضى كي لا يتسبب في نقل العدوى لهم لا سمح الله، إلا أن المريض كان كثير الحركة ولم نتمكن من السيطرة عليه".
وتضيف المشقاب: "كان يتجول بين أروقة القسم ويجلس في محطة التمريض، ويعبث بجهاز الحاسوب وهو لا يرتدي كمامة على وجهه، ومع حركته المفرطة لم يستطع أحد من الطاقم أن يمسك به، حتى مرافقه وهو والده لم يتمكن من السيطرة عليه، حتى أحس بحزن شديد فأرسلناه للخارج لنتولى المهمة".
الوضع يزداد سوءًا
استمر المريض على وضعه، بل ازداد الأمر سوءًا بعد أن بدأ يدخل إلى غرف باقي المرضى، فما كان أمام الطاقم الصحي بالقسم إلا نداء الاختصاصي الاجتماعي، وتفعيل الكود الأبيض لأن المريض لا يسمح لأحد أن يمسك به.
ومع الاستنفار الذي حدث في القسم، لم يتمكن أحد من الطاقم من السيطرة عليه حتى بعد تفعيل الكود الأبيض، وحدها زينب كانت تلاحقه من مكان إلى آخر، حتى بعد أن وصل للقسم الآخر استمرت هي في ملاحقته.
تناست الفيروس.. واقتربت
هنا تكمل رئيستها في القسم بسمات المرهون: بعد ما يقارب أكثر من ساعة وبعد جهد في ملاحقته استطاعت زينب أن تقترب منه وبكل لطف استطاعت أن تمسكه بيديها، وبدأت تتكلم معه بكل حنان حتى بدأ يستجيب لها تدريجيًا، فكانت تسايره وكأنها تحنو على طفلها، ثم أقنعته بالعودة.
ترسم المرهون صورة تفصيلية لما حدث بعد ذلك، حيث تقول: ابتاعت له إحدى الزميلات بعض الألعاب وبعد أن أخذته زينب إلى غرفته بهدوء جلست معه تلاعبه كما تلاعب الأم طفلها، وهي ترتدي ما يحميها من انتقال العدوى، ثم أحضرت له سبورة، وأخذت ترسم له حتى هدأ.
وحدها استطاعت احتواءه
توضح المرهون أنهم حاولوا تقليدها وتكرار ما كانت تفعله معه، حتى تستطيع "الناصري" استكمال مهامها إلا أنه رفضهم جميعهم وكان ينطق باسمها فقط ولا يهدأ إلا بحضورها ومداعبتها له، كانت يستجيب فقط لأسلوبها الحاني وصوتها المليء بالأمومة.
صورة حية للعطاء
يصف طاقم المستشفى الموقف الذي تجسد أمامهم بالمعنى الراقي لمهنة التمريض، كما أنهم عدوه صورة حية للعطاء اللا محدود، فكانت تمثل التمريض بمعناه الحقيقي حيث كانت تعطي بلا ملل أو كلل، فقط تركز على المريض وتلبية حاجته، مع أخذها بعين الاعتبار الاحترازات اللازمة لمكافحة انتقال العدوى لها.
واجبي..
ابنة سنابس، ترى أن ذلك الموقف هو واجبها الحقيقي تجاه أي مريض، فالأهم عندها أن تبسط جناحي ملاك الرحمة على رأس من يحتاجها دون أن تقدم نفسها أو سلامتها عليه.
تقول: "كان واجبي كأي واحدة من زميلاتي أن أحتويه، لا سيما أنه مريض من متلازمة الداون وكثير الحركة ولم يكن أحد قادرًا على أن يوقفه، كما أنه لم يكن مستوعبًا لمرضه، لذلك حاولت أن أسيطر عليه وعلى الوضع في القسم ولم أكن مهتمة بما سيصيبني في تلك اللحظة بقدر اهتمامي بألا ينتقل الفيروس للمرضى الآخرين في القسم، فنظرًا لحالاتهم المرضية قد يحدث ما هو أكبر من ذلك -لا سمح الله- حتى تمكنت بعد محاولات عدة من احتوائه.
قريبة من مرضاها
وعن استحقاق "الناصري" لجائزة "ديزي" تؤكد رئيستها في القسم بسمات المرهون أنها تليق بها حقًا، واصفة إياها بأنها راقية في التعامل والأخلاق، كما أنها قريبة من المرضى وتحاول أن تكون عونًا لهم في رحلة علاجهم خلال تواجدهم في المستشفى، وتعاملهم كأهلها وتحتويهم بكلامها الإيجابي وتحاول رفع معنوياتهم.




