الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

من الجمعة إلى الجمعة.. هكذا تعلمنا وفهمنا وتعاملنا

إبراهيم الزين · القطيف اليومالجمعة 30 يونيو 2023، 11:57 ص
من الجمعة إلى الجمعة.. هكذا تعلمنا وفهمنا وتعاملنا

كل عام وأنتم بخير..
بل كل يوم وكل ساعة وأنتم بسعادة وهناء..
هكذا تعلمنا وفهمنا واعتدنا في تعاملنا.
إنه دعاء في يوم عظيم؛ الرجاء بالخير وقبول الأعمال، نستجلي بإجابته السلام والمحبة والرضا من ربِ عطوف رؤوف كريم، وعليم بما نحمله في نفوسنا.. عطوف علينا ورحيم بنا، ويريدنا أن نكون رحماء فيما بيننا، أرحامنا وأحبابنا وغرباء، فرادى وجماعات..

كل عام وأنتم بخير،
تمامًا هي مثل: السلام عليكم.. كيفك؟ عساك بخير، كلمة عابرة عاطرة نرددها كل يوم لا ندري كم مرة ولأي إنسان، فلقد درجنا على المألوف والمندوب سواء في المناسبات الدينية أو الدنيوية، وبعفوية وبمعرفة وعلم ولكل شخص نقابله أو نحتفل معه،
هكذا تعلمنا وتعاملنا، وإن بدت وكأنها غريبة الآن عند البعض في هذا الزمن المثقل بالمتغيرات، كما هي غريبة بعض العادات والتقاليد والمثل الأصيلة التي ورثناها من سالفِ عن سالف، قد ندب لها الشرع والعرف والتربية استحبابًا وترغيبًا.

ربما يقال إنه لا مسلمات بذلك، فالزمان غير الزمان والبشر غير البشر والعقول غير العقول، ولكن ما نؤمن به يقينًا أكبر من أن تغلبه متغيرات مؤقتة لا تصمد للحظة أمام الحقيقة المتأصلة.

فأرضنا من أقصاها إلى أقصاها، وفي نجدها وشامها ويمنها ومصرها ومغربها هي أرض الرسل والرسالات، ومهبط الملائكة، أرض الأنبياء والأوصياء والمقدسات، وفيها محور الكون "بيت الله الحرام"، وقبلته التي تدور حولها الأفلاك والأملاك وتتوجه إليها الخلائق، تصلي وتناجي خالقها -عز وجل-، فلا عجب أن تكون قد احتوت فيها وفي سكانها وحضاراتها الفضائل والملاكات العليا.

مقارنتنا بغيرنا غربًا وشرقًا مقارنة مجحفة، حتى وإن اعترتنا بعض المآخذ، وحاد من حاد عن الجادة، فمهما اغتُر من اغتر بهرطقات دخيلة، ومعتقدات زائفة وزائلة، تظل الأصالة باقية راسخة والعراقة شامخة متجذرة، حين زرعها الأقدمون وجناها اللاحقون، وباركتها السماء، واستن بها العباد في مختلف البلاد فعلاً وقولاً.

ندخل متغيرات ونخرج من أخرى، وثوابتنا قائمة، فالصفات هي الصفات، والأخلاق هي الأخلاق.. يتعلمها الصغير بالأصالة والبديهة، وينشأ ويسير عليها، ولا فرق بين حضري وبدوي ولا نساء ولا رجال، وإن اختلفت العناوين والمسميات.. نحن لا نحتاج أن نتعلم الآداب -ولله الحمد- وقد سرت فينا مسرى الدم، وتشربناها منذ تفتحت أعيننا على الحياة، نحن لم ندرسها في الكتاتيب ولا المدراس، ولكنها كانت ولم تزل مختلطة بحليب الأمهات، وعرق الآباء، وفي عذوق النخل وعناقيد الأشجار، ومياه العيون والبحار..

لا مقارنة بين أخلاقيات عفوية أو مقننة تتغير بتغير الظروف والأسباب والأزمان ولا تعود، وبين أخرى متأصلة ومستحكمة في القلوب والنفوس وإن اعتراها ما يعتريها ولكنها تبقى محصنة وتظهر عند الاستدعاء.

عادات وصفات، ونظم مترابطة منها وليس كلها: الشرف والعزة والكرم والكرامة والغيرة والأمانة والجيرة والأسرة والعشيرة، لا يمكن أن تمحى وتتبدد أو تتبدل بأدنى منها، فهناك من يرثها ويحميها ويقويها، ويبذل النفس من أجل بقائها وعدم المس بها.

فأين تجد هذه الفضائل؟ وفي أي أرض؟ وعند أي شعب؟

إنها هنا في قلب الصحراء، في حاضرتنا وباديتنا، وفي البحر والتاريخ، وعلى ظهور الخيول وهوادج الجِمال ومراكب الموال واليامال.

كل عام وأنتم بخير
يا أمي ويا أبي ويا جدي ويا جدتي..
ويا بيتنا الطين، وعريش سعف النخيل.. وجداول المياه المتدفقة بالجمال.

كل عام وأنتم بخير للحارات والزرانيق وللتراب وسكنة المقابر الذين لا يُغيِّبُ صمتُهم ذلك الضجيج الذي خلفوه، لنظل على العهد أوفياء لهم ولما علمونا وسقونا وغذونا، ومهما حدنا عنه، فإننا سرعان ما نعي ونندم ونعود له أكثر جزمًا وحزمًا ويقينًا، غير مكترثين بالزخرف الذي يحيط بنا فسرعان ما تذروه الرياح، ليبقى المعدن الأصيل، بلا مثيل ولا بديل.

وقفة:
ونحن نخطط لبناء بيوتنا؛ عدد الغرف ودورات المياه وغرف الخادمة والسائق والحارس والمساحة الخضراء ومقلط النساء والرجال، هل فكرنا أن نخصص مصلى للعبادة لن يزاحم في حجمه أقل متطلبات المنزل مساحة؟.