حياة رائعة في الطريق!

نظنّ أن الطريق قطعة أرض يابسة على شكل شريط يصل بين نقطتين، فهل هذا كل ما يمكن أن يكون الطريق؟ قطعة أرض يمر من فوقها الناس والمركبات ولا شيء غير ذلك؟
الطريق بسالكيهِ ولسالكِيه! الطريق قطعة ميتة من الأرض يمشي فوقها الإنسان ويحييها بوجوده وبصماته وجيناته وتصير جزءًا من حضارته وثقافته، يعطيها اسمًا من رموزه وحقوقًا، ويشيّد على جوانبها منشآتٍ وأعمالًا ويمشي فوقها.
خذ مثلًا، في الكتب أن الطريق الذي يمر منه النبي صلى الله عليه وآله يبقى فيه من طيب رائحته. من يمشي بعده يستدل عليه من طيبه ويقول: مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله من هنا، من هذا الطريق. ألم تزدد قيمة الطريق؟ به تشرفت طرقاتُ مكة المكرمة والمدينة المنورة وكلّ بقعة وطأتها قدماه.
بعض الطرقات في مناسبات دينية وثقافية تدب فيها الحياة في أيام المناسبة بعد أن كانت كامنة. إذا ذهبت في عمرة وقطعت شوارع المشاعر المقدسة في غير زمن الحج يداخلك شعور غريب؛ سبحان الله، كيف يحيي اللهُ هذه الطرقات والشوارع في الحج ويعود الحجاج بالملايين؟ هذا ماشٍ وذلك راكب وثالث يستريح في ظلٍّ على جانب الطريق!
مشاهد في التلفاز والتواصل الاجتماعيّ عن الطريق بين مدينتي النجف وكربلاء في العراق، طريق صحراوي تقطعه السيارة في ساعة أو أقل، فيه خدمات متواضعة جدًّا بمقياس الشوارع الأكثر تحضرًا، لكن في أسبوع من كلّ سنة يعود الطريق حيًّا مليئًا بالناس والأكل والشراب ووسائل الراحة والنوم، الناس تمشي وأكتافهم متراصة في بعض الأماكن. ثم يعود الطريق هادئًا بعد المناسبة كأنما استُلبت الحياةُ منه، الأماكن فارغة، آثار الماشين موجودة ولكن لا أحد يمشي. يخالطك شعور وأنت تقطعه بالسيارة أن المكان صارَ حزينًا كئيبًا يبكي الذين كانوا يمشون فوقه.
لا أظنّ أن أحدًا يشك أن الطريق له حقوق لأنه من المشتَركات بين الناس. في الطريق تنكشف أخلاقنا وحضارتنا أمام الآخرين حين نمشي أو نقود السيارة؛ نلتزم الآداب أو نخالفها، كيف ينظر الناس لنا؟ أخلاقنا راقية أم مزعجة في الطريق؟
وَكُن في الطَريقِ عَفيفَ الخُطا ** شَريفَ السَماعِ كَريمَ النَظَر
وَلا تَخلُ مِن عَمَلٍ فَوقَهُ ** تَعِش غَيرَ عَبدٍ وَلا مُحتَقَر
وَلا تَخلُ مِن عَمَلٍ فَوقَهُ ** تَعِش غَيرَ عَبدٍ وَلا مُحتَقَر
وَكُن رَجُلاً إِن أَتَوا بَعدَهُ ** يَقولونَ مَرَّ وَهَذا الأَثَر
إذًا، ألا ترون أن في الشوارع ذكريات مدن وإرث ناس وتاريخًا تجمّع عبر السنين يتخذ صورًا وثقافةً واضحة في الأفراد والجماعات والمناسبات وليس قطعة أرض لا حياة فيها؟! وأنّ الشوارع في بعض أحوالها مرآة تظهر خفايا شخصياتنا ومعتقداتنا وسلوكنا؟
العلاقة بيننا وبين الطريق علاقة احترام ومنافع متبادلة؛ نعتني بالطريق ونظافته وآدابه، نحترم فيه أنفسنا وغيرنا، ومن ثمَّ يكون مرآةً صافية تعكس حضارتنا وثقافتنا وحرصنا على تديننا وهو أول ما يراه الزائر قبل أن يدخل دورنا.



