وقفة ذاتية على حافة الإنسانية

قرأت يومًا ما للمرحوم الدكتور غازي القصيبي: مشكلتي الحقيقية ليست النسيان، مشكلتي كثرة الذكريات. لا أدري لماذا ابتدأت النص بهذه الكلمات! وكما يدرك الكثير منا أن الكتابة مسؤولية ومشاركة وجدانية قبل أن تكون فكرية. ولم يكن لي الكثير مما أود كتابته، فقط أحاول أن أكتب قبل أن يمضي بي الزمن ويكتبني أو أجد هناك من يكتب عني ذات يوم، وما كتاباتي سوى أحاسيس ومشاعر وهواجس صادقة قد تصيب أو تخطئ.
لا أخفيكم سرًا أنه ينتابني منذ أيام وجع وتوتر، حيث ومنذ أن علمت بالرحيل المفاجئ للشباب: ريان الجراش، يوسف الفشخي، وليد القطري -يرحمهم الله- وأنا أشعر بوجع في صدري كاد أن يخنقني ولم أخلد إلى النوم الساكن، مبررة بأنه ربما الأمر لا يتعدى الإحساس بالأسى على رحيلهم وهم في عز الشباب، ومع ذلك تحاملت على روحي لتسكن وتهدأ، ما دمت أعيش وأتعايش مع أحداث وأحزان وأوجاع المجتمع.
عندما يحدث ما هو متوقع، لدي دائمًا قوة داخلية للمشاركة الوجدانية التي لا يمكنني التنازل عنها أو السماح لأحد بالاستخفاف بها! ومن هنا ما زال فكري يتساءل: أيعقل أن يكون كل ذلك بسبب عمق ذاكرتي حد الهوس بوجعي المستمر على الغير!! حاولت أن أفسر ذلك وقلت في خلدي: ربما هذا الحس يراود الكثير منا، ومن الصعوبة الركون لهذه الأحاسيس والعذابات المستمرة ولكن! ليس سهلًا أيضًا أن أمنع قلبي عن مزاولة مهامه! قبل كل شيء أنا إنسانة لا أختلف عن الغير ولا أملك شيئًا إلا إحساسي بوجع حياة الناس، حيث لم أفز من الحياة إلا بتجارب ثرية تزيد من إنسانيتي، نعم تجارب الحياة أورثتني الكثير من الأحاسيس منها احترام وجع الجميع أيًا كان حجمه وإعطاؤه حقه وقد يستوقفني طويلًا. وهذا يمنحني التركيز وأضمن أنني أستخدم إنسانيتي بكفاءة وفعالية. كما أنه يوفر لي إحساسًا صادقًا بالغير.
الحقيقة هي أن أحداث الحياة لا يمكن التنبؤ بها، ومع هذا تعد القدرة على قبول ما يحدث لنا والتخلي عن التوقعات العادية، أمرًا ومطلبًا أساسيًا عند التعامل مع الأحداث والظروف غير المتوقعة في أقدارنا! على الرغم من أننا نميل إلى أن نضع أو نعلق في عقولنا ونتشبث بفكرة حول الطريقة التي نعتقد أن الحياة يجب أن تسير بنا، ينبغي علينا أن ندرك إلى أين نحن ذاهبون بهذا الحس الإنساني! نعم من أجل إبقائنا مستيقظين ومستعدين للظروف وتعليمنا الاتزان والسكينة، فإن الكون يلقي علينا بمفاجآته الموجعة من حين لآخر. ولنتذكر أن بعضها ليست فقط طريقة الحياة لإبقائنا مستيقظين، وهي هدية ومنحة سماوية في حد ذاتها، كما أنها غالبًا ما تكون طريقة الحياة لجلب لنا مفاجآت رائعة وسعيدة أيضًا إذا شاء الله لنا ذلك.
وأخيرًا
وجدت صعوبة بالغة في ترتيب أفكاري هنا حتى شعرت بالعجز، ونفسي بقيت لاهثة وهي تحكي أحاسيسي، وربما الدهشة تطوق ذاكرة البعض وتشتتها، لعدم استيعابهم حكايتي على الرغم من قناعتي بصدقي! ولكن هاجسًا تسلل وزحف إلى أعماقي ودفعني للتساؤل: ما حدود أحاسيس الإنسان وحجمها؟! وعزائي في أن الدنيا قد تغيرت كثيرًا، لكنني بقيت أعتز بمبدأ إحساسي؛ إذ إني أؤمن بأن الحياة الدنيا معجزة وقد شبهتها بالإحساس بالغير والذي يطوق قلبي بالصمت أحيانًا وبالرثاء أحيانًا أخرى.
ولكي لا يطول ليلي الطويل عليَّ ألا أتناول قهوتي التي أدمنها جدًا.



