إلى النجف!

الثامن عشر من أيلول/ سبتمبر 2023م وصلنا النجف عصرًا. كانت أولى زياراتي لمدينة النجف الأشرف في العراق سنة 1388 هجريًا، لم أَبلغ السنة العاشرة بعد، في الصف الثاني من المدرسة الابتدائية. في تلك الزيارة أقمت عدة أشهر بصحبة أخي الأكبر، الخطيب أحمد الوحيد. رأيتها آنذاك مدينةً تضج بالعلم والمكاتب المنتشرة قريبًا من مرقد الإمام علي عليه السلام، مكتبات كثيرة وطلاب من مختلف البلدان الإسلامية يجلسون في حلقات مستديرة وحضور طاغٍ لعمائِم بيضاء وسوداء في جامع الهندي وغيره من أماكن دراسة العلوم الدينية.
كانت الرحلة مهمة في حياتي إذ ما زلتُ أتذكر بعض أحداثها وكأنها جرت صبيحةَ هذا اليوم، السارّ وغيرَ السارّ منها. علمتني هذه الأشهر - أقل من سنة - أن أكون رجلًا في جسم صبي عمره 8 سنوات بعيدًا عن وطنه وأمه وأبيه، يعيش في عالم الكبار. من طفلٍ يحب اللعبَ إلى قفزة في عالم الإنسان الناضج. ما زلت أتذكر بوضوح أنني بكيتُ لأن أمي عادت إلى البلد بعد شهر أو نحوه!
آنذاك كان السيد محسن الحكيم - رحمه الله - يؤم صلاة الجماعة في الصحن الحيدري وكنت عندما أراه قادمًا أركض نحوه وأُصافحه. في تلك المدة أصاب عيني رمد ولم أستطع مقاومة الضوء فأشارت المرأة التي كنا نقيم في الدور العلوي من دارهم أن يعرضني أخي على طبيبِ العيون وبعدما أعطاني طبيب العيون دواءً شفيت عيني تمامًا.
من الذين كانوا في النجف في تلك المدة الشيخان الفاضلان؛ الشيخ حسين بن الشيخ فرج العمران والشيخ محسن المعلم من الجارودية، والمحترم عبد العلي آل سيف وعائلته من جزيرة تاروت وطلاب علوم آخرين من مناطق القطيف. سكنا في الدور العلوي عند عائلة من السادة من آل الرفيعي، حجرة المياه فوق الدرج مباشرة. ذات مرة زلقت رجلي فتدحرجتُ من فوق الدرج إلى أسفله، انكسر الإبريق أما أنا فلم أصب بأذى!
عدتٌ من تلك الرحلة وواصلت الابتعاد عن المدرسة إلا أن أحد المدرسين من الجنسية الفلسطينية عرفني بالجد في الدراسة فنصح أهلي بأن أعود إلى المدرسة. عدتُ وامتحنتُ الدور الثاني دفعة واحدة في كل الدروس وكنت الطالب الوحيد الناجح.
زرت مدينة النجف عدة مرات وفي كل مرة تتغير معالمها شيئًا فشيئًا. من أسواق شعبية - لا تزال - محيطة بالحرم وأماكن سكن الزائرين المتواضعة - خان - إلى أماكن أكثر رقيًّا ومطاعم وأماكن أكثر أناقة. عادت الذاكرة حين رأيت مناظر كنت قد رأيتها قبل عشرات السنين؛ فيها البساطة وكأنها محطة مرّ عليها قطار الزمن، قطار التطور دون أن يتوقف عندها، شوارع وأزقة ودكاكين لم تتغير تظنها من ثوابت الزمن.
متى ما زرت مدينة النجف وزرت عليا عليه السلام، أنت وجها لوجه بين يدي رجل عظيم، على حد سيفه استقام الدين. رجل ما طرح السيف إلا ساعة شهادته. رجل عظيم ظلمته الدنيا في حياته ويبدو أنها لم تنصفه بعد مماته! قيمة المكان بالمكين ومن يحل فيه ويزيده رفعة وعلوا! هكذا هي النجف بعدما حلّ فيها الإمام علي عليه السلام، جميلة مهما يكون ولا يمكن إلا أن تُرى - مباشرة - بالجوارح كلها روضة من رياض الجنة وليس بالعين فقط مثل أي مكان آخر من الدنيا!



