سيرة طالب (٦٣)

ابحث عن ضالّتك .. تجدها
في بداية التحاقي لطلب العلم في النجف الأشرف درست علم النحو، في كتاب (قطر النّدى وبلّ الصّدى)، لابن هشام الأنصاري (ت ٧٦١هـ)، وكان أستاذنا الفاضل الشيخ عبدالله الدار، وهو من العلماء والخطباء المجيدين، ولي فخر أن أعتبر أحد التلاميذ هذا المؤمن المربي بالأخلاق العالية، ولم نسمع عنه مدّة أكثر من ثلاثين سنة إلى يومنا إلّا الطيبة والسمعة الحسنة.
ثم عزمت أن أدرس كتاب (شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام) للمحقق الحلي (ت ٦٧٦ه)، ورأيت أحد الأساتذة العراقيين (لا أتذكر اسمه الآن)، وتحدّثت معه بشأن رغبتي في دراسة الكتاب المذكور، فاعتذر؛ لانشغاله بتدريس كتاب المكاسب، لكنّه أخبرني أنه سيتحدّث مع أحد تلاميذه ليقوم بمهمة تدريسي، وقال لي: تعالَ غدًا بنفس هذا الوقت.
وفي اليوم التالي بنفس التوقيت المحدّد حضر ذلك الشيخ العراقي فقال: أأمرني ونحن بالخدمة.
درست عنده مدّة أسبوع أو أكثر، ومن أول يوم اكتشفت أنه غير قادر على أن يكون مدرسًا، إلى مستوى كنت أنا التلميذ أشرح له بعض عبارات الكتاب، فغبت عن الدرس أيامًا، وعرفت أنه ليس المدرس الذي يمكن أن يفيدني.
ثم سمعت ذات يوم إعلانًا عن بداية تدريس نفس الكتاب، وهو أستاذنا السيد علي الجراش، من قرية أم الحمام، وانسجمنا معه، ولا يقارن السيد مع ذلك الشيخ، فالسيد من طلبة العلم المحصّلين المجيدين بالتدريس والبيان، ومن الأشياء التي أتذكرها في هذا الدرس أنّ سماحته كان يحاول أن يفكّك الرموز في عبارات الكتاب دائمًا، مثل عبارة: *أشبه، وأظهر، وأحوط،* وغيرها.
وقبل هذا الدرس التحقت بدرس أحد المشايخ من مناطقنا، وعلى الرغم أنه يدرّس *(المسائل المنتخبة)* للسيد الخوئي (ره) إلّا أنه جاف في أخلاقه، لا يهتم بطلبته، من عرفهم ومن لا يعرفهم.
ومن الغرائب أنّني أتذكر هذا الموقف العجيب:
لما نزلنا إلى منطقتنا الحبيبة فاتقفنا مع أحد الطلبة وشخص آخر أن نذهب إلى الأحساء زيارة وسياحة، فقال طالب العلم: إن شاء الله نزور أحد أصدقائنا، وسمّاه، فقلت: نعم، هذا أستاذنا في (المسائل المنتخبة)، وكانت دراستنا في النجف.
فقال: نعم، هو صديقي.
ذهبنا إليه وطرقنا بابه وسلّمنا فردّ سلامنا ببرود باهت.
صلّينا صلاة الظهرين، وهو ساكت، لا ندري هو مستأنس أم محرج منّا أم غاضب منّا .. لا ندري.
ولكنّ طالب العلم الصديق فتح الإحراج وعزم نفسه، فقال: لا بأس بغدائكم.
ولما حان وقت الغداء، قال: تفضّلوا، وجلس هو على كرسي، يقضم أظافره، وهو نمط سلوكي شائع لتخفيف الضغط النفسي، كأحد الأسباب.
فقلنا له: تغدّ معنا.
فقال: أنا صائم.
هل كان كئيبًا أم غاضبًا لأمرٍ ما، هذا ما لا نعلمه حتى اليوم.
والحقّ أننا أوقعنا أنفسنا في حرج كبير، إذ كنّا نسمع عن كرم أهل الأحساء المتفايض، حتى إنّ العلّامة الشيخ حسين العمران قال لنا في مجلسه في يوم من الأيام أنه ذهب إلى الأحساء لغرض، وأظنّ أنّه كان بغرض تقديم واجب العزاء إلى ذوي أحد الموتى، فأصرّ أهل الأحساء على سماحته أن يبقى عندهم لتناول وجبة العشاء.
فاعتذر إليهم بكثرة ارتباطاته، فقالوا: لا بُدّ أن تلغي ارتباطاتك!
فصار اللّغط بين مدٍّ وجزر، حتى غضبوا جميعًا من رفض الشيخ دعوتهم، فقال أحدهم: دعوه يذهب إذا قدر!.
همّ العلّامة العمران بالخروج من المجلس مغضبًا، وقد أخذوا نعاله، وكلّهم ساكتون.
فقام الشيخ بكلماته الشديدة يطلب نعاله، وهزأهم بما لم يخطر لهم على بال، حتى استسلموا فقال أحدهم: أعطوه نعاله. فأعطِيَ نعاله بشقّ الأنفس.
أقول: لا تعليق بين قصتي وقصة الشيخ.




