الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سيرة طالب (٦٤)

الشيخ علي الفرج · القطيف اليومالجمعة 20 أكتوبر 2023، 3:56 م
سيرة طالب (٦٤)

ألمٌ وبلاء

عندما ركبت سفينة العلم أبحرت إلى النجف الأشرف، واستقرّ بي المقام في مدرسة الآخوند الخرساني، وبعد أن التحقت بالأساتذة، التحقت بالتلاميذ لأتباحث معهم في دروسهم، وكان أول من درّسته الشيخ محمد فندم، حول كتيّب مبسط (التحفة السنية في شرح الآجرّومية).

أتذكر عندما كنت أدرس الشيخ وصلنا بصيص من الأخبار باضطرابات بين العراق والكويت، ثم قامت الحرب، لتسقط على إثرها الكويت.
سافرنا إلى بلدنا، وقد نقلنا بعض الأحداث التي حصلت معنا في السَّفر، وعجائب (الذِّكْرِ) الذي أعطانا إيّاه السيد عبد الأعلى السَّبزواري *(راجع سيرة طالب (٨)).

واستقرّ في النجف بعض الطلبة ولم يسافروا إلى بلدهم، منهم الشيخ المذكور فندم، ومرّت أيام صعبة وحصلت اضطرابات عنيفة وهو حصول الانتفاضة الشعبانية.

بلسان الشيخ فندم
في بداية وجودي في مدرسة الآخوند الخرساني كنت معتادًا على زيارة الامام الحسين (ع)، كان ذلك كلّ ليلة جمعة نزولًا من النجف إلى كربلاء، حيث كان الحرم متنفسِّي الوحيد، وحرموني منه، ومن إكمال صيامي وتأدية برنامج العبادي الذي أعددته، حيث كان الاعتقال ثالث أيام الشهر المبارك.

حينما ضرب النظام العراقي البنية التحتية في النجف الأشرف، التي منها مصلحة مياه الشرب، كنت أرى الأطفال والنساء يستغيثون العطش، فكنّا نضطرّ للمخاطرة والنزول إلى المزارع، متسلّلين عن أعين النظام، لتعبئة الماء.

بعدها تم اعتقالي من مدرستي حوزة الآخوند من قبل النظام، وكان برفقتي الشيخ محمد المصلّي ورفيقه المهندس أسامة الدرازي البحراني.

في الطريق صادفنا شابٌّ في ريعان عمره، فاعتقلوه معنا، ثم أتيحت له الفرصة للهروب، ففرّ حتى ابتعد ما يقارب الـ ٢٠ مترًا، رأوه وأطلقوا عليه الرصاص فطرحوه مقتولًا، وكان ذاك على مرأى من عيني، بعد وصولنا إلى موقع حفرة الإعدام وطلقهم الرصاص علينا في أنحاء متفرقة حيث أصبتُ أنا برصاصتين في قدميَّ، ورفاقي الشيخ والمهندس صرعى على الغبراء.

زحفت لأطبق عيني رفيقي الصريع.
كنت في الصحراء وحيدًا بين جثث الأبرياء الصَّرعى، جهشت باكيًا، وكنت أعاتب ثلاثة أئمة:
الإمام علي (ع) حيث كنت ضيفًا عنده، والإمام الحسين (ع)؛ لأنّني لم أتخلّف جمعة عن زيارته، وأيضًا الحجة (ع)؛ لأنّني منذ صغري كنت أسمع آبائي يقولون إنه يدرك الملتجئ في المحن والشَّدائد، حيث كنت أترقب وأترقبهم.

اليوم الأول في الصحراء
كنت قاب قوسين أو أدنى للموت، حيث قبل أن أبتعد عن حفرة الإعدام حضر بعض الجنود بهدف تفقّد الصرعى إن كان بينهم فيه نَفَس، فرآني أحدهم فوضع فوهة البندقية على رأسي، وفي اللحظة التي وضع إصبعه على الزناد، أدركني لطف الله وألطاف أهل البيت، فمنعه الجنود من إتمام مهمته، وذهب لشأنه.
بقيتُ ما بين اثنين، وأنا أحمد الله على بقائي.

كنت أرتاح نهارًا، وأقطع المسافات زحفًا بالليل، حتى شعرت بالتعب الشديد، فغفوت، وما بين اليقظة والنوم رأيت رجلًا طويل القامة، يرتدي عباءة خضراء تحرّكها الريح، فكانت تطال قدمي المكسورة.

أردت الكلام والحركة لأخبره أنّني حي، وأن يدركني فلست ميتًا، ولكن لم أستطع. شعرت بإزعاج شديد، فانتبهت من غفوتي، وإذا بالسماء صافية، وعلى غير الحال التي كانت عليه، ونزيف الدماء قد توقف من ستة مواضع خلّفتها الرصاصات على قدمي.

في اليوم الثاني التفت فإذا بدفعة أخرى من المعتقلين، أتوا بهم وطرحوهم أرضًا، وأطلقوا عليهم الرصاص دون توقف كرشّ المطر، وخلّفوهم في نفس تلك الحفرة غرقى بدمائهم، كان ذلك على مرأى من عيني، حيث كنت مختبئًا خلف التلال الرملية.

ثوانٍ وأتوا بالدفعة الثالثة من المعتقلين، وأثناء الطلق هرب أحدهم وكان اتجاهه حيث المكان الذي كنت فيه. فلحقه ثلاثة وأطلقوا عليه الرصاص فسقط على الرمال مضرّجًا بدمه البريء.

زاد عطشي وأثقلتني الجراح بآلامها، والشمس بحرارتها.
تذكرت بعض مشاهد كربلاء الدامية، فهنالك سالت أزكى الدّماء، وسُبيت أطهر النساء.
نطق لساني من غير إرادة منّي، وقلت: يا ساقي العطاشى، اِسقني جرعة بيدك الطاهرة، فأنا جريح لم تفارقه الروح بعد.

وبعد مواصلتي للزحف شعرت أنّ اليأس يكاد أن يستولي على نفسي، والمستجار بالله، فخرجت للشارع العام ملوّحًا بيدي للمارة، حيث لم يبقَ لي إلّا أن أتمسّك باحتمال فيه أمل ولو كان ضئيلًا، إلّا أنّ رحمة الله ورعايته أدركتني، فأسعفت إلى مستشفى المسيّب في كربلاء.

هناك في المستشفى زادت آلامي حينما وصلني خبر خمسة من الشبّان الذين كانوا مصابين فاستجاروا بالمارة؛ كما فعلت، ولكن اتضح أنّ المارة أنفسهم قد عرضوا عليَّ الذهاب معهم فرفضت، إذ كانوا من أفراد النظام، فأعدموا الشباب في الحال.
حينها شعرت أنّ الله أراد لي البقاء وإكمال مسيرة لحكمة يريدها.

نقلت إلى مستشفى الحلّة الجمهوري، كان معي جندي رفض محاربة الكويت، وهتف قائلًا: لا أحارب المسلمين، فأطلقوا عليه طلقه أصابت ما بين قلبه ورئته، أسميته (أنيس) من السماء.
رغم حالته كان هو من يرعاني ويعينني في أموري.
وقال لي: قصَّتك غريبة، ما الذي فعلته في حياتك فكتب الله لك عمرًا جديدًا؟

قلت له: في بلدي كنت أبحر بـطرّادي لصيد السمك، فرأيت من يلوّح من بعيد، وإذا به شخص غارق فساعدته بالنجاة.
فقال لي: إذن هي واحدة بواحدة.

تحقيق الأطباء
وأقساها عندما خيّرت بين البقاء في النجف أو الرجوع للبلد. قلت لهم: هل الإمام الخوئي في النجف؛ ومدرستي سليمة، والطلاب يدرسون بشكل طبيعي؟
قال: لا شيء مما ذكرته في هذه الظروف القاسية.

فاخترت - بحسرة - النزول إلى البلد .
وحينما حلّقت بي الطائرة من (عرعر) إلى (الرياض) استرجعت شريط الذكريات.

وفي هذه اللحظة قرصتُ جسدي النحيف في عدّة مواضع كي أصدّق أنّي لست في الحلم، وتكثّف القرص حتى صار نهشًا، ولكن لم أصحُ أبدًا من سكر الواقع المعجزة..

*تابع بعد أسبوع عن الكتاب الروائي الذي طبع ونشر في احداث الشيخ فندم.*
_______
*الشيخ محمد حسن بن محمد بن علي آل عبد الجبار (فندم).*
- ولد في القطيف سنة ١٣٨٩هـ.
- بدأ مسيرته العلمية في حوزة القطيف، ثم هاجر إلى العراق وقم المقدسة لإكمال دراسته الدينية، ولا يزال يواصل مشواره العلمي في بلده القطيف.
له عدّة مؤلفات، منها :
١- المرجان في أحكام الحيتان، بحث شامل في أحكام الأسماك وحيوانات البحر.
۲ - شاخصة الأبصار لذوي الاختيار، بحث موسّع في الاستخارة.

٣- القبطان في أعماق القرآن، بحث معمّق يستخرج جواهر الأسرار من الآيات الكريمة.