المسلك الوعر وتحديات التعلم

حياتي الوظيفية ابتدأت ولم تزل في قسم الموارد البشرية (HR)، كانت البداية في شركة يقل عدد موظفيها عن الألفين، وظيفتي تتشظى في جميع تفاصيل القسم؛ التوظيف، التدريب، البوليسي والبريسيجر، الرواتب، الإجازات، القانون وعلاقات الموظفين، نهاية الخدمة وغير ذلك، جميع هذه الوظائف وما يتخللها من تفاصيل مارستها مع زملائي الموظفين في القسم من دون أن يتخصص أحدنا في شيء دون آخر، وحينما انتقلت بعد ذلك لشركة بها عشرات الآلاف من الموظفين، كانت هناك رهبة شديدة من هذه التجربة المجهولة، كان الزملاء يجيدون الحديث بشكل مبهر، أما الفلبينيون الذين يغص بهم القسم فالبلوزة اللاكوست، والجزمة الـfred Perry والجوال الآيفون والشعر الجميل والعطر الذي يصيبني بالشقيقة في الحال يمنحك شعورًا بعظم خطرهم وبأنك عقل بسيط أمام سقراط وأفلاطون وأرسطو، كل ذلك مع مرور الزمن تغير وتشكلت صورة جديدة بعدما اتضح لي أن هذا النمط من الشركات يقضي فيها الموظف سنوات طويلة من عمره في تخصص وظيفي لا يستطيع تغييره إلا بالكثير من الجهد وربما الواسطات في حين أن الموظف في الشركات الأصغر حجمًا يعمل فيها في كل المهن التي قد لا تخطر على قلب بشر، وبالنتيجة يكتسب الكثير من التجارب التي يندر أن تمنحها له الشركات الكبيرة.
أظن أن المسلك الوعر المليء بالعقبات والتحديات يمنح الإنسان الكثير من الأسباب التي تحفزه للتعلم والتفكير، على النقيض من ذلك الطريق المعبدة التي لا يمارس فيها الإنسان إلا المشي، وهكذا أظن أن مسلكين وظيفيين لو خير لأحد أن يختار أحدهما فليعلم أن المسلك الوعر غالبًا هو المسلك الذي سيصقل مواهبه وسينمي إبداعاته وسيخلق له التجربة التي تمنحه فرصًا قيادية أفضل، أظن أن تجربتي التي كنت أصنفها أول الأمر بأنها تجربة بائسة كانت على عكس ذلك تمامًا، كنت أتذمر لماذا علي أن أعمل كل شيء وبلا استثناء، أما الآن فأجد أنني مدين جدًا لتلك التجربة التي لم ينقصني فيها إلا أن ألبس الأفرول في السايت وأعمل معهم!
الحياة الوظيفية هي كما أظنها رحلة لطلب العلم، إنها تتطلب شخصًا يبحث عن المعلومة ويسعى للحصول عليها وإن تطلب الأمر المزيد من المعاناة، هي تلك المعاناة التي أظنها مخاضًا لدرجة وظيفية عالية لا ينبغي منطقيا لمن يتبوأها إلا أن يمتلك العلم والموهبة التي تمكنه من تحمل مسؤوليتها، الطريق المستقيم الخالي من التحديات والصعوبات أظنه يصيب العقل بالتبلد والركون للراحة، هكذا حينما لا يجد الموظف ما يحفزه للتعلم والبحث فإن (بطارية الدماغ) ستنفد تدريجيًا إلى أن تعطب ويصبح هذا العقل لا يحسن إلا المحاسبة على الحضور والانصراف وتكرار قصص ونكت سخيفة دون أن يعلم أنه كررها على مسمع الموظفين آلاف المرات.
أعتقد أنّ شابًا في مقتبل حياته الوظيفية ينبغي له أن يدرك أهمية التعلم والبحث عن الأسباب التي تمنحه ذلك، المشقة والمعاناة والشركات التي يعمل فيها الموظف كل شيء هي أحيانًا بيئات تمنح هذا الشاب الكثير مما ينبغي تعلمه، لا شك أن ذلك مجهد، وربما أسهم ضغط العمل في الكثير من الألم أول الأمر، ولكنه على الرغم من ذلك بذرة من بذور النجاح والخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح للوصول لأعلى المراكز الوظيفية من خلال اكتساب العلوم والخبرات.



