سيرة طالب «65»

قطاف الرمضاء
في السلسلة السابقة تكلّمنا عن الأحداث المرعبة التي عاشها الشيخ فندم، من بداية وجوده في مدرسة الآخوند الخرساني والسير في مزارع النجف لوصول الماء، ثم الذهاب إلى مدرسة أخرى، ثم الاعتقال، ثم مشهد الإعدام الجماعي، وسقوط أكثر من ستين شخصًا في الحفرة الواسعة في الصحراء، وفارقوا الحياة، إلّا خمسة أشخاص، أحدهم الشيخ فندم، بعد أن خرقت فخذه اليمنى رصاصة نفّاذه وانتهت من فخذه اليسرى، ورصاصة أخرى فتحت ميزاب الدم من كعبه، والتقطته المشيئة الإلهية وحفظته حياة ثانية.
مشى زحفًا كدبيب النمل في أربعة أيام، يمتصّ الماء المرّ امتصاص الرذاذ من عشب الصحراء وأشواكها، ثم مرّت الوقائع طورًا بعد طور، وموتًا بعد موث، كلّ هذه الأحداث والرعب والألم والاكتئاب الشديد والجوع والعطش مرت بقمّة الغرابة، فكانت فترة الأحداث من البداية إلى نهاية المطاف أربعة أشهر تقريبًا: السجن، والإعدام الجماعي، والزحف في الصحراء، والرقود في مستشفى المسيّب إلى مستشفى الجمهوري، ثم أيامًا مؤقتة في عرعر، ووصوله أخيرًا إلى وطنه الغالي.
وبعد أن تماثل إلى الشفاء واستقام هيكله ودخلت الأحداث في خانة الذاكرة، حرّر الشيخ فندم بقلمه كلّ ما جرى، وسجل كلّ ما وقع، فأعطى هذه الملفّات أحد الأدباء الموهوبين ليصوغه صياغة مبدعة، وهو الروائي الأديب الشاعر الشيخ عبد المجيد فرج الله، وكانوا في ذلك الوقت مستقرّين للدراسة في قم المقدّسة، وكان بيني وبين الشيخ فرج الله علاقة حميمة.
بعد أن انتهى الشيخ عبد المجيد من مهمّته، زارني في منزلي المتواجد في قم المقدسة، فجرى ذكر اسم الشيخ فندم وملفّاته، وأنه صاغها بأسلوب روائي أدبي وفنّي، مستهلكًا في ذلك أوقاتًا ثمينة، وقال لي: إنّي أعاتب الشيخ فندم، لما أراد أن يطبع بدّل اسمه المناسب أدبيًّا (قطاف الرمضاء) إلى اسم (القطيفي وصحراء النجف)، فهل هذا يتناسب أدبيًّا بما يحتويه من الصفحات؟.
أقول: طبع هذا الكتاب خمس مرات بعناوين كلّها باهتة، لا تناسب المحتوى الأدبي الرائع، سوى: قطاف الرمضاء.
وهي كالتالي:
الطبعة الأولى: *القطيفي وصحراء النجف.*
الطبعة الثانية: *الشهيد الحي.*
الطبعة الثالثة: *كربلاء النجف.*
الطبعة الرابعة: *قطاف الرمضاء.*
الطبعة الخامسة: *ألم وبلاء بين النجف وكربلاء.*
والقارئ المنصف يرى الكتاب وما يحتويه في قمة الإبداع، والكاتب فرغ الشحنات في صعقات الأحداث، حتى كأنك في داخل المرمى.
ولا أعلم، لماذا أغفل الشيخ فندم الحقّ الأدبي للكاتب المبدع الشيخ عبد المجيد، حتى إنه لم يدرج اسمه في العنوان الرئيس، واكتفى بالإشارة إليه في آخر مقدّمته.
الشيخ الدكتور عبد المجيد بن عبدالحميد بن خلف آل فرج الله (1388هـ/ 1968م-)، طالب علم وشاعر وأديب ومؤلف وخطيب، ولد في البصرة من أسرة علمية أدبية، برز منها العديد من الأعلام في الفقه والأدب.
درس فرج الله في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، ولما اندلعت الانتفاضة الشعبانية في العراق عام 1991ه، هاجر إثرها إلى إيران حيث مارس إلى جانب دراسته الحوزوية في قم المقدسة، العمل الإذاعي والصحفي، فعمل محرّرًا أدبيًّا في مجلة التوحيد في قم المقدسة، وقدّم العديد من البرامج الدينية والأدبية في عدد من الإذاعات الإسلامية والعربية.
كما كان فرج الله من مؤسّسي تلفزيون النجف الأشرف، وحصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ الإسلامي وعلوم الحديث عام 2006، ويدرّس مادتي التاريخ والتشريع الإسلامي وفقه القرآن في الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية في لندن، وهو عضو اتحاد الأدباء العراقيين والعرب، وعضو نادي الشعر العربي في دمشق، وعضو مؤسس لرابطة القلم الدولية ــ فرع العراق وعضو مؤسس لبيت الشعر النجفي.
له عدّة دواوين، منها: (أناشيد لعيون الورد)، (عودة الشمس)، (أنفاس الروح)، (صهيل الجراح)، (لحظة انكسر الطيف)، (عند ظلّ الألق).
وله أيضًا رواية بعنوان (قطاف الرمضاء)، ومجموعة قصص للأطفال بعنوان (لا يتيم ولا غريب).
ومن المؤلفات لديه: (فدك أبعادها ودلالاتها وامتداداتها)، و(الحجة العلم الشيخ جواد السهلاني)، (موسوعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله في الشعر العربي).




