من «توبي القطيف».. نسرين الشاخوري تعزف بفرشاتها لحن الإنصات التجريدي في «أبيض وأسود»

يستهويها ثراءُ الفن المحسوس بألوانه وأقمشته ومواده، تحبُّ الكتابة كالرسم، ومن خلال قلمها وريشتها، صنعت عالمها الخاص، لتكون في حالة الانغماس والإنصات إلى لحنٍ مشاعِري تتمازج فيه الأفكار، عندها تتسرب إلى خلايانا نشوة الاستسلام لرقصات الفرشاة التي تداعبها أنامل الفنان بخفة في ثنيات الذات فتتشكل داخلنا اللحظات بألوانها كما نرغب وتنساق بلا قيود بتلوين هذه اللحظة؛ لتبقى لوحة الفنان صامدة بحكايتها على الجدران.
ولدت ابنة بلدة التوبي بمحافظة القطيف الفنانة التشكيلية نسرين مجيد سعيد الشاخوري مغرمة بالورق والقلم؛ حيث كان والدها يمتلك غرفة مكتبة، تمتلئ جدرانها الأربعة مرورًا بالسقف بالأرفف الخشبية المليئة بما طاب من كتب الدين والأحياء والعلوم والفلسفة والسياسة وغيرها. كانت القِراءة من طقوسها وهي طفلة صغيرة تتوسد دفاترها للرسم وتخبئ أقلامًا تحت وسادتها كل ليلة.
تداخلات الأبيض والأسود
تحدثت الفنانة التشكيلية الشاخوري لـ«القطيف اليوم» عن مشاركتها في معرض (أبيض وأسود) المقام في قاعة علوي الخباز بصالة نادي الفنون التشكيلية، قائلة: "معرض أبيض وأسود أتاح لي الفرصة لتجربة شيء جديد وهو استخدام الألوان الأحادية للمرة الأولى في العمل التجريدي الذي يحتوي على بعض التأثيرات البارزة الناعمة. كتل سوداء وبيضاء تداخلت درجات الأبيض والأسود فيما بينها مشكّلة لوحة متناغمة تشبه الموسيقى".
واستخدمت الفنانة ألوان الأكريليك على كانفاس، مقاس 60✖️60 لا يشترك فيها إلا اللون الأسود والأبيض، حيث حضر فيهما عنصر التشكيل بالخطوط إلى جانب حضور اللون، مما رفع منسوب التعبيرية إلى حد بات يُمكّن من الإصغاء إلى الإيقاع البصري/السمعي الذي يعتمل في نفس الفنان المنهمك في العمل على لوحته التي أخرجها من دواخله العميقة.
قِراءات تشكيلية
عندما نتناول هذه الأعمال في قِراءة تشكيلية فإن أول ما يلفت انتباهنا هي اللوحة اللونية التي انتقتها الفنانة الشاخوري في أعمالها حيث تقول: "كل لوحة تنفرد بمجموعة لونية تضعك في خيارين إما أن تشعرك بالدفء أو تشعرك بالبرودة في انتقاءٍ مدروس يستغله التشكيلي لتحديد مسار أعماله فعلى الرغم من تداخل اللون الدافئ مع اللون البارد في العمل؛ فإنه يتحكم في إحساسك بتصنيف دفئها وبرودتها من خلال معالجاته المضافة". وهذا ما يتضح لنا في أعمال الشاخوري الفنية حيث إن مسارات الفرشاة هي القائدة للموقف.
التأثيري والتجريدي
عشقت الشاخوري فن التأثيري والتجريدي في أكثر لوحاتها التي شاركت بها في المعارض السابقة على الرغم من نفيها انتماءها لأي مدرسة من هاتين الاثنتين، تقول: "لقد شكّلت خطوطي وضرباتي أسلوبًا خاصًا يمزج بين قوة اللون وكثافته بالتأثيري وبساطة المساحات بالتجريدي".
الفن طاقة داخلية
وبينت الشاخوري أنّ أصعب فقرة بالنسبة لها هي أول الخطوط على بياض اللوحة؛ فلا تضع ذلك الخط إلا بعد جهدٍ جهيد من انطلاقة فكرة معينة لمعرض معين، وإنّ موضوعات اللوحات أكثرها فلسفي وتتمحور حول موضوعات تهمها شخصيًا أو تهم المجتمع، وهناك بعض اللوحات تأتي بلا تخطيط فهي ألوان وخطوط تأتي كتفريغ طاقة بداخلنا فتنتج أجمل اللوحات، وهذا ما جعل (امرأة الجليد) هي اللوحة الأقرب لها، كما أن هناك مجموعة اختزلتها من نفس اللوحة، ولوحة المشاركة في معرض (أبيض وأسود) هي جزء منهم.
الموهبة وحدها لا تكفي
وعبّرت بقولها: "كنت أعتقد سابقًا أن الموهبة كفيلة بإخراج الإبداع بلا نواقص، ولكن في الحقيقة أن الفنان التشكيلي مهما تعلّم وتعلّم من علوم الفن فإن ذلك يكون كنقطة من بحر؛ لأن العلوم متوسعة ومتفرعة ولا زلنا نتعلّم ليضيف ذلك إلى إنتاجنا الفني إنتاجًا جديدًا".
الفن هوية خليجية
ووصفت الفنانة الشاخوري الفن الخليجي كهوية خليجية تجده في معالم القطيف وتراه مزدهرًا جدًا وينمو سريعًا، فهوية الخليج العربي تتشابه كثيرًا فيما بينها مُشكّلة رابطة قوية تمركزت بالفن، كما شكّل الفنانون علاقات جيدة فأصبحوا يشاركون في مناطق الخليج ويتزاورون في معارضهم، والعكس صحيح.
وكشفت عما تهواه من فنون أدبية وتشكيلية، قائلة: "لو لم أكن فنانة تشكيلية وكاتبة فإنني أجد نفسي كثيرًا في الإدارة والقانون والنقد والتحليل، ولديّ هوايات كثيرة متعددة كلها تصّب في الفن وأنواعه، والقِراءة والكتابة، ولعل السبب في ذلك هو البيئة التي ترعرعت ونشأت فيها ضمن بيت يهتم بالفن، فوالدتي خير مثال إذ هي موهوبة بالخياطة والأعمال الفنية واليدوية وأظن أنها جربت كل شيء في مجال الفنون".
وتكمل بفخر: "كانت زوايا منزلنا تتزين بما تصنعه والدتي من مفارش ولوحات وأعمال فنية، كما أنن لإخواني وأخواتي حسًّا فنيًا رائعًا أيضًا".
معارض وفعاليات
كانت انطلاقتها الفنية الفعلية كفنانة تشكيلية عام 2019 حيث شاركت بمعرض 30/ 30 في غاليري ضاوي بالخبر، بـ6 أعمال تم اقتناؤها في أول معرض لها! وهذا ما شجعها أكثر على الاستمرار.
وشاركت أيضًا في معرض 50/ 50 في قاعة التراث بالخبر، ومعرض أساسي بالقطيف، ومعرض الأعمال الصغيرة روازن1 ومعرض تباين، ومعرض تقاسيم بالقطيف، ومعرض روازن 2 ومعرض احتمالات الفن لا تنتهي بدار نورة الأحساء، ومعرض التقاء بجمعية الثقافة والفنون وآخرها معرض أبيض وأسود، كما شاركت في عدة معارض مصغرة في مناسبات ومحافل وطنية وموسمية أخرى.
الفنانة نسرين في سطور
الفنانة الشاخوري خريجة معهد الإدارة في تخصص برمجة الحاسب عام 2019، وترشحت لجائزة القطيف للإنجاز عن (بحث بيئي عن أشجار القرم)، وقد بدأت مشوارها التطوعي منذ 13 سنة، ومتطوعة إدارية بجماعة الفن التشكيلي بالقطيف لمدة 3 سنوات، بالإضافة إلى أنها استثمرت فنها في مشروعها الصغير (الرسم على الوجوه، الميك أب المسرحي، الرسم على الأقمشة، الفخار).
ختام ورسالة
واختتمت الشاخوري حديثها بكلمات تشجيعية وتحفيزية للذين يبحثون عن شغفهم قائلة: "كونوا على يقين بأنّ التشجيع والدعم الذاتي هو سلاحكم وطريقكم إلى النجاحات والإبداعات، لا تنتظروا أحدًا؛ لأننا حينما ننتظر شخصًا ليأخذ بيدنا لن نستطيع النهوض إذا لم يكن لدينا إيمان قوي بأنفسنا، حينما تؤمن بفنك وبنفسك فلا خوف عليك، ارسم وانطلق".
يشار إلى أن معرض «أبيض وأسود»، فتح أبواب نسخته الثانية للزوار، على شرف الفنان حسن أبو حسين، مساء الأربعاء 17 ربيع الآخر 1445هـ، ويقام على مدى 8 أيام من الشهر الجاري، تحت إشراف جماعة الفن التشكيلي التابعة لنادي الفنون بجمعية التنمية الأهلية في القطيف.

































