حكاية ورقة.. «55»

الشاعر العصفور..
ما زلت أحتفظ للشاعر الراحل سعيد محمد العصفور رحمه الله تعالى بالكثير من الأوراق التي، نثر عليها قصائده الشعرية، وغالبا ما تكون نسخةً أصلية بخطه المميز.. والسبب في ذلك هو أنه كان يكتب المسوّدة ثم يعطيها أحد الشباب ليخطها بحرفية جميلة، وبعدها قد تُكتب بالآلة الكاتبة فتقع في يدي النسخة التي كتبها الشاعر بيده ولأن أبرز منْ كان يخطّ له هو أخي نادر الشيخ، فيأخذ النسخة المخطوطة بيد الخطاط، فأصطاد أنا المسودة الأولى، والتي لا تخلو من التغييرات والشخبطات حالها حال المسودات الأولى لأي عمل إبداعي، والتي يطلق عليها البعض بالصندوق الأسود للشاعر وأمامي هنا نص ممهور بخط العصفور رحمه الله تعالى أقتطف منه بعض الأبيات..
الفيض الإلهي
إذا الناسُ أغواهم عنِ الرشدِ مطلبُ
وضلّ بهم في مهمهِ الغيِّ سبسبُ
إذا الناسُ في وادي الضلالِ تفرقوا
وجارت عليهم محنةُ الشكِّ ترهبُ
وسار بهم في الدهرِ موكبُ فتنةٍ
تقاذفهم بحرٌ الظلامُ فغيّبوا
وراحوا شتاتًا بين كلّ مخالفٍ
وتاهوا ضلالًا والضلالةُ غيهبُ
إذا ساد في الناس الخلاف وفرّقوا
مذاهبهم شتى تشلُّ وتعطبُ
ثبتُّ على الهدي القويمِ مجَلّلًا
بحبّ بني الزهراءِ لا أتقلّبُ
أموتُ وأحيا، والحياةُ قصيرةٌ
على حبّ أهل البيتِ لا أتغرّبُ
أرى حبهم فرضًا عليّ منزّلًا
منَ الله لا أغلو، ولا أتعصّبُ
هواهم نجاةٌ من جحيمٍ معدّةٍ
لكلِّ غويٍّ الطبعِ يلهو ويلعبُ
هم العروةُ الوثقي تجلُّ صفاتهم
بآيٍ من الذكر الحكيم، وتعذبُ
لهم في مثاني الحمدِ ذكرٌ مميزٌ
ووصفٌ جميلٌ في الكتابِ مهذّبُ
وفي آل عمرانٍ وطه، وهل أتى
وفي ذاريات الطّهرِ شأنٌ ومنصبُ
...
.....
سعيد العصفور
15/شعبان 1412هج
عمر هذه القصيدة 33سنة تقريبا.. وهي من نصوصه الولائية وقد ضمنها في ديوانه الولائي المخطوطة، وقد عنونه بـ(من وحي العقيدة).
ومن خلال هذا النص سأتوقف قليلا عند ملمحٍ مهم وبارز انتهجه الشاعر العصفور في أسلوبه الرؤيوي
وهو تجليات الهُوية والمكان.. وقد نطلق عليه، شعرية المكان والهوية كان حريصا على تبيان الهُوية الدينية والوطنية، وارتباطها بالأرض، وتاريخ مجدها، وفارعِ حضارتها وسأورد بعض المقطوعات، والشواهد القصيرة، لنتعرف على صفاء هذه الفكرة الجميلة
الشاهد الأول:
يؤكد فيه على هُوية الأرض لعبد القيس، والعقيدة لأهل البيت عليهم السلام
الأصل الكريم
لا تسلْ عني ولا عن نسبي
إنّ عبد القيس أمي وأبي
سيدٌ منْ سادةٍ قد سكنوا
بلدةَ الخطّ ومأوى الحسبِ
أسسوا فيها الندى واستنطقوا
سِيَرَ التاريخِ والأصلَ الأبي
وهبوا المجد رؤى وانتسبوا
لبنى الزهراءِ أولادِ النبي
الشاهد الثاني.
يعبر هنا عن مدى عشقه لمسقط رأسه قرية( التوبي)
ذكريات
مهما بعدتُ ومهما طال بي السفر
أنتم معي حينما يلتذُ بي السهرُ
في خافقي في كياني ذكركم أملٌ
ومنتهى رغبتي، في قربكم عطرُ
أنتم ليَ الزادُ بل والماءُ منْ ظمأٍ
ويقظةُ الحسِّ لو تاهت به الغِيرُ
نورٌ على مستطال الدهرِ رؤيتكم
وبارقٌ من ربا (التوبيّ) مزدهرُ
ويتوسع الشاعر العصفور في دائرة عشقه المكانية ليصل ويربط (هجر) بالخط، ويدمجهما في لوحة واحدة ويعلقها وسام فخر ومحبة.
يقول من قصيدة له..
تلك الديارُ بوادي النخْلِ من (هَجَرٍ)
شاد الإلهُ لها المجد الذي وهبا
واحاتها وازدهار الخصب أغنيةٌ
ترددُ الشعرَ والإنعامَ والأدبا
يا توأمَ(الخَطّ) و الأيامُ شاهدةٌ
تجزى المحبةُ عهدًا والهوى نسبا
هم أهلُ ودي ومنْ لي غيرهم بدلا
بل إنني أستقي من فيضهم أدبا
وله الكثير من الوقفات العميقة التي تؤصل مفهوم الانتماء وتاريخ الهُوية التي تتجلى عبر مفاصل الزمن.. وتنقش على جبين البطولة.
رحمك الله أبا محمد. مازال صدى عشقك يداعب أسماعنا بالكثير من الحب والجمال.




