لكنَّها لم ترحل 28

تعجبت من تصرُفاته معها، لم تعهدْهُ بهذه الطيبة والأريحية في التعاون في تنظيف الشُّقة وترتيبها.
أحست في داخلها بأنَّ الوقت قد حان؛ ليُجدد طلبَهُ لها بأن تقُوم باستخراج قرض من البنك على راتبها؛ ليستطيع تعويض خسارته.
تفاجأت بحديثه عن الخسارة، وهي تعلم أنَّ أمُورَهُ المادية على أحسن ما يُرام، فإنَّه بالإضافة إلى عمله مع والده في الشركة يمتلِكُ مطعمًا يدِرُ عليه أرباحًا تزداد مع الأيام.
سألتْهُ بلغة التَّعجب: عن أيّ خسارة تتحدث؟!
أجابها: أنتِ لا تعلمين أنّي دخلت الفترة الماضية في البُورصة، وأصبحْتُ أتداول في الأسهم، وهذا جعلني أخسر الكثير، حتى إنّي عرضْتُ المُطعم للبيع، وثمَنُ المُطعم لن يكفي حتى أستطيع التعويض، والوقُوف على قدميَّ مرة أخرى.
اختنقت بعبرتها.. إنَّه من الصَّعب ألا تعلم الزوجة عن زوجها فيما يخصُ أمُورَهُ المادية، مما يجعل هذا الغُموض يتمادى إلى جُزئيات أخرى في حياته؛ ثمَّة فهْمٌ خاطئ يجعل من الزوج يتكِئُ على الغُموض في مُشاركة زوجته اهتماماتهُ والتزاماته، ليضعها في زواية بعيدة.
صرخت في وجهه: لماذا اتجهت إلى البُورصة، وأنت لا تفقه شيئًا عنها، ألا تعلم أنَّ الإنسان يمضي في المشروعات التي يمتلِكُ فيها الثقافة والخبرة؛ لكي ينجح.
اعترَاهُ الصَّمت، إنَّه حاليًا لا يُفكر إلا في كيفية الحُصول على القرض؛ لذا تجدهُ يتصنَعُ التوازُن في انفعالاته، ويُظهِرُ لها في ملامحه وكلماته ما يستعطِفُ قلبها، ويضمَنُ من خلاله ما يُريد.
أجابها بكُلّ ثقة خلفُها ارتجَافٌ داخلِيٌ يشُوبهُ القَلقُ والتوتُر: إنَّ أصدقائي في الديوانية يتداولون أكثرُهم في البُورصة، وقد حققُوا أرباحًا كبيرة، فانتابني الفُضول، وحدَّثتُ نفسي: لماذا لا أدخلُ هذا العالم؟، فأجبْتُها: سأدخلُ وأتعَلمُ في ذات الوقت، فوضعْت أكثر ما لديَّ، وقد حققْتُ أرباحًا في بداية تداولي الأسهم، ولكن ما لا تعلمينَهُ أنَّ البُورصة فيها ربْحٌ وخسارة، من لا يخسَرُ لا يربَحُ، ومن لا يربَحُ لا يخسر.
وبعد الإلحاح عليها والاستعطاف وعدتْهُ في حالة ضعف بتقديمها طلب القرض في بداية الأسبُوع القادم على أمل أن يُعيدَهُ إليها خلال وقت لا يتعدى العام.
تمتلِكُ المرأةُ سحرًا يجيءُ في عاطفتها، وما تتمتَعُ به من أنوثة، ومن خلالهما تستدرِجُ الرَّجُل كي يُلبي ما تُريْدُه، أيضًا الرَّجُل يمتلِكُ ما لا يقِلُ عنها، والذي يأتي في الاستعطاف.
تخيل الآن رجُلًا يفرِشُ فُؤادَهُ، ويُحدّقُ بعينيه؛ ليخطف هذه العاطفة في المرأة، أليس ما يُؤلِمُ المرأة أن تجد زوجها مُنكسرًا أمامها، حتى تقُوم بجبر هذا الانكسار، وإن كان على حساب راحتها وأفكارها، وقد يصِلُ إلى مرحلة الألم الذي ستعيشهُ بعد اتخاذها القرار؛ لتُنقذهُ مما هو فيه.
استيقظت من النَّوم مُبكرًا، أسبغت الوضُوء، فرشت سجادتها، تتلو آيات من القُرآن الكريم في انتظار وقت الأذان؛ ليصفو الكونُ في عينيها، وهي تُناجي ربها بقلب خاشع، يسكنهُ الاطمئنان.
ياسمين مُنْذُ أن بلغت مرحلة التكليف لم تترُك صلاة الصُّبح في أول وقتها، وقراءة القُرآن في مساحة يومها، حتى إنَّها تختِمُ القرآن طوال العام، ثمَّة علاقَةُ عشق يُؤنِسُ رُوحها بين آياته، مما أضفى على ملامحها نُورًا يُكسِبُها جمالًا، يتلمسهُ كلُّ من يُبصِرُها، يتوسَمُ فيه الراحة والاطمئنان، وما يلبث أن يستشعرَهُ بكلّ حواسه، فقد قال تعالى: "وجعلنا له نورًا يمشي به في النَّاس".
في صباح الأحد، توجهت إلى البنك، وقامت بطلب القرض، وأخبرها المُوظف بأنَّه سيكون في حسابها غدًا الإثنين، انقبض قلبُها، أجبرت نفسها على الابتسامة، ولكن المُفاجأة لم تكُن في الحُسبان..



