أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

العدول النحوي في القرآن.. نظرة تحليلية

عبد الله الماء · القطيف اليومالسبت 18 نوفمبر 2023، 1:08 م
العدول النحوي في القرآن.. نظرة تحليلية

العدول النحوي ظاهرة من ظواهر اللغة العربية التي تمثل الخروج عن الأصل النحوي إلى فرعه وارتبط هذا الخروج ببعده النحوي وبعده البياني البلاغي، فهو توظيف للبنية النحوية لأغراض بيانية يعجز عن إفادتها القالب المثالي وما يطلق عليه النحاة الأصل النحوي ومن هنا ينكشف لنا أن العدول النحوي (الخروج عن الأصل) إنما هو خروج عن الحالة المثالية للغة العربية إلى الحالة الإبداعية الفنية كما عبر عن ذلك بعض الباحثين وهو ما يعطي اللغة العربية ثراءً وسعة فهي لغة حية لها قابلية التطور وليست جامدة محجمة.

ومما ينقل عن سيبويه أنه سأل أستاذه الخليل بن أحمد الفراهيدي عن هذه الظاهرة وقال له (لماذا تخرج العرب عما اطرد من كلامهم وفيهم الفصحاء والبلغاء) فأجابه الخليل (أن العرب ما خرجت عن أصل في كلامهم إلا إلى فرع أرادوا به معنى) لذلك قسم النحاة ما خرج عن الأصل إلى قسمين حسب استقرائهم.

القسم الأول: ما كانت عليه شواهد يعتد بها وهذا الفرع قعد له النحاة كما قعدوا للأصل وقاموا بضبطه.

والعالم النحوي هو من يتمكن من رد الفروع إلى الأصول كقدرته على تفريع الأصول ولا شك أن هذا العمل العلمي يتطلب فهمًا عاليًا ودقة علمية ولعل المدرسة البصرية تميزت في ذلك لإدخالهم العلوم العقلية في النحو وتوظيفها في اللغة وهذا سر تفوق سيبويه في علم النحو عن غيره من النحاة باعتبار إحاطته بالعلوم العقلية الدخيلة على ثقافة العرب في ذلك الزمان، ونتيجة هذا النشاط العلمي الكبير استحكمت القواعد وإن كان بعض النحاة البصريين أغرق في الجانب العقلي والمعياري كما أغرق بعض النحاة الكوفيين في الجانب الوصفي للغة فكل مدرسة لها وعليها.

القسم الثاني: ما يطلق عليه النحاة الشاذ النادر وهذا أهملوه على الرغم من وروده عن العرب وينطبق عليه ما ينطبق على القسم الأول في كونه خروج عن أصل إلى فرع إذا لو لم يكن كذلك لكان لحنًا والعرب لا تلحن وقد علل النحاة عدم التقعيد لهذا القسم خوفًا من التوسع في التقعيد فتخرج عن حد الضبط كما أن هذا النحو من العدول قليل جدًا فلا يقاس عليه ولا يحتج به بخلاف القسم الأول.

وقد قمت بتحليل جملة مما ورد في ألفية ابن مالك من شواهد شاذة ونادرة فوجدت انه يمكن توجيهها وردها إلى الأصل.

النتيجة أن هذه الظاهرة لا تخرم القاعدة النحوية كما يدعي البعض. ونتيجة الجهل بالعدول النحوي نرى من يشكك في قواعد النحو ويدعي أنها غير محكمة ويمكن نقضها خصوصًا أنه ورد هذا العدول النحوي في بعض الموارد بالقرآن الكريم مما أدى إلى التشكيك تارة بالقواعد النحوية وأنها غير صحيحة وتارة أخرى أن كتابة القرآن عمل بشري يحتمل الخطأ وهذه الموارد دليل على ذلك.

بينما في الواقع أنه لا تعارض أصلًا بين القواعد النحوية في تلك الموارد ولا يوجد خطأ وقع فيه من كتب القرآن الكريم بل هو خروج من أصل إلى فرع داخل البنية النحوية الأوسع والأشمل.

وهنا أستعرض بعض النماذج لهذه الظاهرة في القرآن وبعدها النحوي والدلالي (البياني)
1 – قال تعالى: (فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ). في الآية الكريمة، الفعل المضارع المجزوم (أكن) معطوف على (فأصدق) المنصوب والأصل أن يتبع المعطوف المعطوف عليه إعرابيًا فكيف جاز الاختلاف بين المتعاطفين وهذه المسألة طرحها سيبويه على أستاذه الخليل بن أحمد أيضًا. والجواب نعم الأصل في هذا المورد يقتضي وحدة الإعراب بين الفعلين ولكن خرج عن هذا الأصل والتوجيه النحوية أن الفعل (أكن) أما أنه معطوف على محل (فأصدق) لأنه جواب الطلب ومحله الجزم ولاقترانه بالفاء نصب لفظًا والعطف على المحل يسمى فرعًا والوجه الآخر أن يكون من باب العطف على المعنى فالعطف على تقدير خلو الفعل الأول من الفاء فيكون مجزومًا لغرض التفريق بين الفعلين في المعنى فأصدق سببية بمعنى أن طلب تأخيره إلى أجل قريب يتسبب في تصدقه بينما (أكن من الصالحين) جواب شرط فتنحل الجملة الواحدة إلى جملتين فكأن الأصل (لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق) و(لولا أخرتني إلى أجل قريب أكن من الصالحين) والتوظيف النحوي من الأدوات البلاغية فهذا العدول النحوي كشف عن اختلاف بين المعطوف والمعطوف عليه في المعنى فجعل الفعل الأول مسببًا والفعل الثاني جواب الشرط وبدلًا من أن يأتي بجملتين أتى بجملة واحدة لغرض الإيجاز.

وسوف أستعرض نماذج أخرى إن شاء الله لظاهرة العدول النحوي في القرآن الكريم.