فلسفة التسامح الديني من حكاية الإمام علي -عليه السلام- والكنيسة الخربة!

الناس أصناف كثيرة مثل الورد وليس بالضرورة كل صنفٍ من الورد يعجبك أو يعجبني! مع ذلك يجب ألا يتخذ عدم الحبّ صورًا سلبيّة محسوسة بين الأفراد والجماعات. الله وحده أعلم بما يجول في الخواطِر والضمائر، أما التعامل بين الناس في الظاهر فلا يكون إلا بالحسنى!
قبل أن أنقل الحكاية من كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، الجزء 9 الصفحة 212، أريد من القارئ الكريم والقارئة الكريمة أن يتأمل فيها ويرى الفرق بين النماذج السلبيّة والإيجابية في التعامل مع أهل الشرائع المختلفة. في الحكاية درس رائع لما نسميه اليوم "التسامح الديني". من أجل الاختصار حذفت أسانيد الرواية:
قال حدثنا جدي سنان قال: خرجنا مع عليّ بن أبي طالب حين توجه إلى الشام قال: وجرير بن سهم التميمي أمامه يقول:
يا فرسي سيري وأُمّي الشامَا * وقطّعي الأجفارَ والأعلامَا
وقاتلي من خالفَ الإِمامَا * إني لأرجو إن لقينا العامَا
أن نَقتل العاصي والهمامَا * وأن نزيل من رجالٍ هامَا
قال: ولما وصلتُ إلى المدائن قال جرير:
عفت الرياحُ على رسومِ ديارهم * فكأنما كانوا على ميعادِ
فقال له عليّ بن أبي طالب: كيف قلتَ يا أخا بني تميم؟ قال: فرددَ عليه البيت قال: أفلَا قلتَ: {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَٰلِكَ ۖ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الدخان 25: 28] أي: أخي هؤلاء كانوا وارثين فأصبحوا موروثين، إن هؤلاء كفروا النعم، فحلت بهم النقم. ثم قال: إياكم وكفر النعم، -قالها ثلاثًا- فتحلّ بكم النقم، فنزل وقال: هيئوا إليّ ماءً أصب عليَّ قال: فهيّئوا له ماءً، فدخل فإذا صُور في الحائط، قال: كأنّ هذه كانت كنيسة؟ قالوا: نعم! كان يُشرك فيها الله كثيرًا؟ قال: وكان يُذكر فيها اللهُ كثيرًا، قال: فأبى أن يغتسل فحولوا له إلى موضعٍ آخر فاغتسل.
انتهت الحكاية! أما النموذجان اللذان رغبت أن أشيرَ إليهما فهما، النموذج السلبيّ وهو ما قاله أصحابه عليه السلام: "كان يشرك فيها الله كثيرًا". والنموذج الثاني الإيجابي، جوابه لهم عليه السلام: وكان يُذكر فيها اللهُ كثيرًا.
في عهدٍ له -عليه السلام- كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها يصنف الناس: "فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق". من الطبيعي أن نودّ من يَعتقد ما نَعتقد ويُدين بما ندين به، لكن ليس مسموحًا لنا أن نحيف على من خالفنا أو نظلمه لأنه اختلف معنا.
ألا ترى عزيزي القارئ والقارئة أن النموذج الثاني أسلم وأفضل طريق للعيش بيننا وبين من نختلف معه؟ كم يا ترى من كوارث عصفت بمجتمعات -ولا تزال- عندما يغيب النهجُ الإيجابيّ أو يضمحل؟



