الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الكابتن منصُور السَّيهاتي مقصَدٌ لكلّ مُحاضر

جمال الناصر · القطيف اليومالثلاثاء 28 نوفمبر 2023، 8:55 م
الكابتن منصُور السَّيهاتي مقصَدٌ لكلّ مُحاضر

إنَّ بعض المواقف في الحياة، تكمُن أهميتها وقيمتها في بيئة القرار الذي يتم اتخاذهُ، القرار الصَّعب في المرحلة الفاصلة، والذي يحتَاجُ إلى كينُونة تتسِمُ بالقيادة والتهيئة النَّفسية؛ لصُعوبة الموقف.

هذه المواقف تظلُّ خالدة في ذاكرة الإنسان ذاته، وفي مسارات حياته الآنية والمُستقبلية، حيث إنَّ النُّقطة في نهاية الفقرة لا تعنيه، يتمرّدُ عليها؛ لأنَّه يتعدى إلى فقرات أخرى، وكأنَّه فعل مُتعدٍ لا يكتفي بالفاعل، بل يتعدى إلى المفعُول به.

وليس اكتفاء ذلك هُنا، ولكنَّها خالدة في ذاكرة مُجتمعه، تعيْشُ عبر نبضاتها، وتستنشِقُ من خلالها مفاهيم عديدة، ويُستشهَدُ بها في المُحاضرات، حيث تكمُن أهميتها وقمتها بما تحتضنهُ من التجسيد الفعلي للمفهوم.

إنَّ المُحاضرين الذين يُقدمون الدَّورات، وما يندرِجُ تحت هذه الدَّورات، يمتلكون من القراءة المُستفيضة، والاطلاع الواسع المُختلف الألوان، لكي يُطعموا المفاهيم بالفعل الدّرامي الحيوي؛ لإيصال المعنى المُراد إلى المُتلقي بيسر وسُهولة.

إنَّ هذا التفرد يخضَعُ إلى عناصر ينبغي توفرُها في الشخصية، لتكون "شخصية قرار"، وتمتلِك كاريزما تُخولها إلى اتخاذ قرار يتميَزُ بثقله من خلال النتيجة المُترتبة عليه، وبحالته النَّفسية، والتي تأتي من خلال البيئة النَّفسية التي تُحيْطُ به، من مُؤثرات تحتَاجُ إلى توليفة نفسية يمتلِكُ القدرة على فعل التوازن بينهُما.

ليس من السَّهل أن يمتلك الإنسَانُ القُدرة على اتخاذ قرار صعب كأيّ قرار يتخذهُ، وكأنَّه يرتشِفُ كأسًا من الماء، والمعرُوف منطقيًا في القاعة: ماهية المُدخلات تُعطينا نوعية المُخرجات.

ما تقدم طرح مُوجز يقُوْدُنا إلى ما أردنَاهُ، والذي حدث في المُباراة النّهائية في البُطولة الآسيوية بدولة الكويت، التي كانت بين نادي الخليج السُّعودي والعربي القطري، حيث تكللت جُهود الخليج بالظَّفر بالبطولة في مُباراة وضعت كل التَّوقعات على جُزء من الطَّاولة، تميْلُ به مُجرياتها يمينًا وشمالًا، حيث لم تُحسم إلا في الأشواط الإضافية الثانية.

كانت مُباراة جعلت قلوب الأحبة ترتعِشُ، واحمرَارُ وجنتي العاشق الولهان، أشبه ما يكون باحمرار طفلة تحِنُّ إلى ما يشفي قلبها بعناق، أو لمسة حنان.

ولسْتُ مُجاملًا أو مُبالغًا، حين أقول إنَّ ضربة الجزاء، التي سددها الكابتن منصُور السَّيهاتي في آخر الشَّوط الثاني، والتي كانت بين مُفترق طُرق، أتكون تتويجًا للعربي القطري بإحرازه البُطولة الآنية للمرة الثانية، أم تفتَحُ الأمل مُجددًا أمام الخليج، ليُعانق البطولة الآسيوية لأول مرة في تاريخه.

الآن..، يتقدَمُ السَّيهاتي، يُمسِكُ بالكُرة، واللّاعب الدّولي حسين الصياد يستنِدُ على مرمى العربي القطري، وخفقاتهُ أمنيَاتُ هذه الجماهير العاشقة، والتي لا يستطيْعُ اليرَاعُ توصيف هذه اللَّحظة التي يمرُون بها، هُناك من أغمض عينيه، وبجانبه من رفع يديه ناحية السَّماء، راجيًا توفيق الله، وفي جانبه الآخر ثمَّة طفلة وطفل برفقة والديهما يلتمسون إعلان شاشة الملعب التعادُل في النتيجة، وما بين كلّ هذا وأكثر، كان السّيهاتي ثابتًا وهادئًا لكلّ من يُبصرهُ، ولكنَّه في داخله انفعالاتٌ مُشتعلة، يُقارعُها الهُدوء والسكينة.

هلا أخبرتني يا منصُور كيف استطعت أن تمتلك نفسك، وأنت تظهَرُ بكلّ هذا الهُدوء والتركيز، وكلّ شيء حولك يدعُوك إلى أن تكون مُتوترًا وقلقًا، وتفقِدُ التركيز في أوسعه الفقد؟

هلا أخبرتني عن التقنية النَّفسية التي استخدمتها؛ لتفصل ذاتك عن العالم الخارجي من حولك، لتغرق في ذاتك، أيكون عالمًا في لحظة فتحت أبوابَهُ لتدخِلهُ وحدك، وتُناغيه بلغتك أنت، وتُعانقَهُ بمشاعرك أنت، وبعد كلّ هذا التلاقي والتناغُم تُهديه لنا جميعُا، لتفتح أبوابك، فيأتون إليك جمعًا؟

هلا أخبرتني عن تقنية الانحراف عن الواقع الذي تحدث عنها ستيف جُوبز؛ لاستلهام النَّجاح، أتُراك أتقنتها؛ لتكون عنوانًا عريضًا لكلّ مُحاضر أراد أن يتحدث أمام مُريديه عن كيفية السيطرة على انفعالاتهُ، وعن كيفية التركيز على أهدافه والسعي وراء تحقيقها؟

هلا أخبرتني كيف شمَّرت عن ساعديك، وتقدمت إلى تسديدها، ألم يعترك الخوف؟، ألم تستحضر تاريخك في كُرة اليد، وكيف سيكون إن ضاعت؟، ألم يخطر في بالك كيف سيكون الجُمهور واللَّاعبُون إن ضاعت؟، كيف استطعت أن تتجاوز كلّ هذا التوتر والخوف؟

أخبرني يا منصُور، حتى بعد تسديدها وتسجليها، وبعْث الأمل مُجددًا، ما لي أرى وجهك شاحبًا، لماذا لم تصرُخ كعادتك؟، لماذا لما تنفعل؟، لم ما زلت هادئًا، يُعانِقُك اللَّاعبُون، ويصفِقُ لك الجُمهور، وأنت ما زلت صامتًا؟

كلّي قناعَةٌ يا منصُور بأنًّك بعد تسجيلها، كُنت لا تزال داخل ذاتك، مُستمرًا في مُعالجة تفاعُلاتك النَّفسية، كي تستطيع الرُّجوع إلى الواقع، لتُكمل مع أحبتك المُباراة.

لقد استطعت يا منصُور أن تكون ثيمة يستشهِدُ بها المُحاضرون، وأن يستحضرُك المُثقفون، وأن يسرد الرّياضيون قصتك.

لقد أتقنت صناعة تاريخًا جديدًا؛ لتكون أنت تاريخًا..