أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ليتها تموت 2

زهرة آل سماعيل · القطيف اليومالجمعة 15 ديسمبر 2023، 2:11 م
ليتها تموت 2

أقلقني حالها فما عادت سميرة التي عرفتها، لقد كانت تجلس قبل الامتحان بكل حب لتشرح لنا ما استعصى علينا فهمه، تعلمنا منها أن نعطي بلا حدود! لماذا فاض بها الكيل يا ترى؟

لم أشعر بنفسي إلا وأنا أطلب منها أن تتصل بزوجها لتستأذن منه بزيارة صديقة قديمة وتعطيه عنوان بيتي!

بادرتني قائلة: لا أستطيع وزوجك وأولادك، عذرًا لا أريد أن أسبب لك أي إحراج

سميرة: اطمئني فزوجي حاليًا مسافر.

لملمت أوراقي لأتوجه لإنهاء عملي بالمحكمة على أن تلحق بي بعد أن تستأذن من زوجها وترتب أمور أولادها وبناتها.

عند تمام الرابعة عصراً دق جرس الباب أقبلت سميرة وكان زوجها بالسيارة وبعد أن اطمأن لدخولها انصرف عنها ليذهب لبيت أخته كعادته.

دخلت إلى بيتي وأنا أرقبها بعيني محامية أتفحص خطاها وحركات جسدها، وأسبر أغوار نفسيتها من خلال طريقة مشيتها.

عرفت أنها تعيش حالة اضطراب وتحتاج لاتزان حتى تصل لمرحلة استقرار عقلي وروحي لتحكم على الأمور من منظور صحيح.

اِستَغْربت أن بيتي كبير لكن الهدوء يلف جنباته، فبادرتني متسائلة: عذراً أين أولادك وبناتك؟ أجبتها: لم يرزقني الله بالذرية فله الحمد على كل ما أعطى ومنع. بادرتني بخجل: أعتذر لتطفلي. أجبتها: لا توجد حياة كاملة عزيزتي ولكن نحن نصنع سعادتنا بما نملك ولا نبنيها بانتظار ما لا نملك.

هل تعلمين أن عمل زوجي يتطلب منه التواجد في عمله معظم الوقت وهذا ما جعلني أشعر بالوحدة والوحشة. كادت المشاكل أن تهدم بيتي وخصوصاً لعدم وجود أطفال في حياتي يملأون أوقاتي الفارغة. هنا قررت أن أمتهن المحاماة وأن انشغل بخدمة المجتمع من خلال هذه المهنة التي أحببتها كثيراً! فاستثمرت فترات غياب زوجي وبالاتفاق معه في بناء شخصيتي ومستقبلي المهني.

فجأة انتفضت سميرة انتفاضة حياة وكأن السماء أمطرتها بقطرات مطر ندية عطرت جوانبها بالأمل، وقفت وقالت: يبدو أن هذا ما أحتاجه!

اقتربت، احتضنتني بنفس الحماس والحب الذي احتنضتها به حينما رأيتها، وقالت: شكراً يبدو أن الدَين الذي في رقبتك لي قد تم سداده بالكامل. وقالت: فعلًا أحتاج لوقت أستثمره في تحقيق طموحاتي دون أن أخسر ما وهبني ربي. أفتر ثغري عن ابتسامة رضا؛ ها هي سميرة التي أعرفها قد عادت للحياة.

أكملنا جلستنا باستحضار أجمل الذكريات واتفقنا على أن نجتمع في أقرب فرصة مع صديقات الدراسة بعد شهرين بسبب انشغالاتي هذه الفترة.

وفي اليوم الموعود اجتمعنا ووضعت صورة كرسي المدرسة عند مدخل المنزل، أقبلت سميرة والجميع التف حولها كالتفاف الأحبة حول غائبهم. لم أعرفها فقد كان البِشر يرسم بريشته أجمل الألوان على محياها.

أمسكت يدها وتنحيت بها جانباً، سألتها عن السبب فقالت: اتفقت مع زوجي على أن أدرس لغة الإشارة للصم والبكم في أحد المعاهد القريبة على أن يصطحبني وقت زيارته لأخته ويرجعني وقت عودته، ابتسمت قائلة: أريد أن أمارس مهنتي المحببة في شرح الدروس كما كنت أفعل.

تعالت ضحكاتنا على أجمل ذكرى وقلت لسميرة بابتسامة ماكرة: وإذا ماتت حماتك هل سيجد الوقت ليصطحبك؟ وضعت يدها على شفتي قالت: ليتها لا تموت.